في مقهى بمدينة نوك عاصمة غرينلاند، تنظر ليكه لينغه بحنان إلى أطفالها الأربعة وهم يحتسون الشوكولاتة الساخنة، في غفلة عما يدور من اضطرابات محورها جزيرتهم. منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض العام الماضي وتجديد مطامعه بالاستحواذ على غرينلاند، باتت السياسة الدولية تتسلل إلى بيوت سكان هذه الجزيرة القطبية، وتثير قلقًا متزايدًا بشأن مستقبلهم. هذا المقال يستكشف كيف يتعامل سكان غرينلاند مع هذه التهديدات المتجددة، وكيف يحاولون حماية أطفالهم من الخوف والقلق.

عودة التهديدات: تأثير ترامب على غرينلاند

لم يكن إعلان دونالد ترامب عن اهتمامه بشراء غرينلاند في عام 2019 مجرد تصريح عابر. ومع عودته إلى الرئاسة، عادت معه هذه المطامع، مما أثار حالة من عدم اليقين والقلق بين سكان الجزيرة. التصريحات التي تحمل في طياتها تهديدات ضمنية، حتى وإن كانت تبدو غير واقعية للكثيرين، تركت أثرها على نفسية السكان، خاصةً الأطفال.

الوضع الجيوسياسي المتأزم، وتصاعد التوترات الدولية، جعل هذه التهديدات تبدو أكثر واقعية، وأكثر إلحاحًا. الخوف من فقدان السيادة والهوية الثقافية يمثل مصدر قلق حقيقيًا، خاصةً وأن غرينلاند تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن المملكة الدنماركية، لكنها لا تزال تعتمد عليها في بعض الجوانب.

دليل اليونيسف: كيف نتحدث مع الأطفال في أوقات عدم اليقين؟

استجابةً لهذا القلق المتزايد، نشرت سلطات غرينلاند في 27 يناير 2025، أي بعد أسبوع واحد من تنصيب دونالد ترامب، دليلًا بعنوان “كيف نتحدث مع الأطفال في أوقات عدم اليقين؟”. ساهمت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بشكل كبير في إعداد هذا الدليل، الذي يهدف إلى مساعدة الآباء والأمهات على التعامل مع مخاوف أطفالهم وتقديم الدعم النفسي اللازم لهم.

تقول تينا دام، رئيسة البرامج في اليونيسف في الإقليم الدنماركي: “عندما يقول أحدهم إنه سيأتي للاستيلاء على بلدنا أو سيقصفنا أو ما شابه، فمن الطبيعي أن يشعر الأطفال بخوف شديد لأنهم لا يستطيعون فهم ما يدور في خضم هذه الأخبار.” الدليل يركز على أهمية الحفاظ على هدوء الوالدين، والانفتاح على أطفالهم، والاستماع إلى مشاعرهم، والحد من تعرضهم للأخبار المثيرة للقلق.

دور وسائل التواصل الاجتماعي في زيادة القلق

كما هو الحال في العديد من البلدان حول العالم، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة تطبيق تيك توك، المصدر الرئيسي للمعلومات للشباب في غرينلاند. هذا الأمر يمثل تحديًا إضافيًا، حيث يمكن للأطفال الوصول إلى كم هائل من المعلومات غير المناسبة لأعمارهم، والتي قد تزيد من قلقهم وخوفهم.

تضيف دام: “اليوم، بات بإمكان الأطفال الوصول إلى كم هائل من المعلومات غير المناسبة لهم… وهي بالتأكيد غير ملائمة لأعمارهم. لذا، علينا كبالغين أن نعي ذلك، وأن نحرص على حماية أطفالنا، وأن نكون قادرين على التحدث معهم عما يسمعونه، لأن الخطاب عدواني جدا.” الرقابة الأبوية والتوعية بمخاطر المعلومات المضللة على الإنترنت أمران ضروريان لحماية الأطفال.

التحدي الأكبر: الإجابة على أسئلة بلا إجابات

طمأنة الأطفال ليست مهمة سهلة، خاصةً عندما لا نملك إجابات واضحة على أسئلتهم. أرناكولوك جو كلايست، وهي مستشارة خاصة تبلغ من العمر 41 عامًا، تشارك تجاربها في التحدث مع ابنتها مانومينا البالغة من العمر 13 عامًا. مانومينا، مثل العديد من الشباب، منشغلة بمشاهدة فيديوهات تيك توك، لكن والدتها لاحظت أنها “لحسن الحظ، لا تبدو متوترة بقدر ما نحن متوترون”.

ومع ذلك، تطرح مانومينا أحيانًا أسئلة صعبة، مثل “ماذا لو حدث كذا وكذا؟” وهذه أسئلة لا يملك أحد إجابات لها بشكل قاطع. في مثل هذه الحالات، تحاول كلايست التركيز على التأقلم والمرونة، قائلة: “لدينا تاريخ وظروف في بلدنا حيث تحدث أمور أحياناً، وقد اعتدنا على التواجد في مواقف خارجة عن سيطرتنا… نحاول التأقلم معها ونسأل أنفسنا: ماذا يمكنني أن أفعل في هذا الموقف؟”. هذا النهج يعكس ثقافة الإنويت القوية، التي تركز على الصمود والتكيف مع الظروف القاسية.

أصوات غرينلاند: رسالة إلى ترامب عبر الإنترنت

لم يقتصر رد فعل سكان غرينلاند على القلق والخوف، بل اتخذ أيضًا أشكالًا إبداعية للتعبير عن رفضهم لتهديدات ترامب. استخدم بعض الأطفال واليافعين وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال رسالتهم إلى العالم.

أحد الأمثلة البارزة هو مقطع الفيديو الذي ظهر فيه مارلي (7 سنوات) وشقيقته ميلا (14 عامًا)، والذي انتشر على نطاق واسع على إنستغرام، وحصد أكثر من مليوني مشاهدة، أي ما يعادل 35 ضعف عدد سكان غرينلاند. في الفيديو، يخاطب مارلي الرئيس الأميركي بجدية ولكن بنبرة مرحة قائلاً: “عزيزي دونالد ترامب، لدي رسالة لك: أنت تُخيف أطفال غرينلاند”. وبنظرات حادة، يضيف هو وشقيقته: “غرينلاند ليست للبيع”.

تعلق والدتهما، بانينغواك هايل مان سيغوردسن، على الفيديو قائلة: “إنها طريقة للتكيّف. إنه مناسب للأطفال، ولكنه جاد أيضًا. أعتقد أنه يحقق توازنًا بين كونه جادًا، وفي الوقت نفسه، يتحدث أطفال فيه بلغتهم.” هذا الفيديو يمثل تعبيرًا قويًا عن الهوية الوطنية والفخر بالوطن، ويظهر كيف يمكن للأطفال أن يكونوا جزءًا من النضال من أجل حماية مستقبلهم.

الخلاصة: الصمود والأمل في وجه التهديدات

إن الوضع في غرينلاند يمثل تحديًا فريدًا من نوعه، حيث يواجه السكان تهديدات جيوسياسية تؤثر بشكل مباشر على حياتهم ومستقبل أطفالهم. ومع ذلك، فإن رد فعلهم يظهر قوة الصمود والتكيف، والالتزام بحماية هويتهم وثقافتهم. من خلال توفير الدعم النفسي للأطفال، وتشجيعهم على التعبير عن مشاعرهم، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن رفضهم للتهديدات، يثبت سكان غرينلاند أنهم لن يستسلموا للخوف، وسيبذلون قصارى جهدهم لحماية مستقبل جزيرتهم. إن قصة غرينلاند هي قصة أمل وصمود في وجه التحديات، وهي تذكير بأهمية الدفاع عن الحق في تقرير المصير والحفاظ على الهوية الثقافية.

شاركها.
Exit mobile version