في أعقاب الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها فنزويلا، والتي تضمنت قصف العاصمة كاراكاس واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، يترقب العالم تطورات الوضع السياسي المعقد. وبينما عبرت المعارضة الفنزويلية عن فرحتها الأولية، سرعان ما خيمت حالة من الغموض على المشهد، خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي بدت متناقضة. هذا التحول المفاجئ يثير تساؤلات حول مستقبل فنزويلا ومصير الانتقال السياسي في البلاد.
ردود فعل متباينة بعد اعتقال مادورو
فور الإعلان عن اعتقال مادورو وزوجته، احتفت زعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل، بهذه الخطوة التاريخية، داعيةً الفنزويليين للاحتفال ببداية حقبة جديدة. لكن هذا الفرح لم يدم طويلاً. فبعد فترة وجيزة، أعرب ترامب عن تحفظاته تجاه ماتشادو، مفضلاً نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، لقيادة المرحلة الانتقالية.
هذا الموقف أثار صمتًا ملحوظًا في أوساط المعارضة الرسمية، حيث توقفت القنوات الإعلامية التابعة لها عن التعليق على الأحداث طوال اليوم. في المقابل، دعت ماتشادو إلى تنصيب المرشح الرئاسي السابق، إدموندو غونزاليس أوروتيا، رئيسًا على الفور، مطالبةً الجيش الفنزويلي بدعمه. وتعتبر العديد من الحكومات الغربية غونزاليس هو الفائز الشرعي في الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2024.
ترامب يفضل رودريغيز: تحول مفاجئ في السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا
خلال مؤتمر صحفي، أوضح ترامب أنه لم يتصل بماتشادو، معتبرًا أنها تفتقر إلى التأييد والدعم الكافيين داخل فنزويلا لقيادة البلاد. هذا التصريح أثار دهشة الكثيرين، خاصة وأن ماتشادو كانت من المؤيدين المتحمسين لترامب، بل وأهدت جائزة نوبل التي فازت بها إليه، وحتى ألمحت إلى تدخل مادورو في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2020 لصالح خصمه.
إلا أن إلياس فيرير، مؤسس ومدير مركز أبحاث “أورينوكو”، لم يفاجأ بهذا الرفض، مشيرًا إلى أن ترامب لم يكن معجبًا بالمعارضة الفنزويلية خلال فترة حكمه الأولى، عندما دعمت إدارته السياسي خوان غوايدو في محاولته عام 2019 لتولي السلطة.
التركيز على الاستقرار والمصالح الأمريكية
التحول في الموقف الأمريكي يبدو أنه يعكس تحولًا في الأولويات. فبدلاً من التركيز على الديمقراطية، يبدو أن ترامب يركز الآن على محاربة الجريمة وتأمين الممرات النفطية، وفقًا لتحليل فيرير. هذا ما أكده الخبير الفنزويلي، ديفيد سميلدي، الذي لاحظ غياب أي ذكر للديمقراطية في المؤتمر الصحفي لترامب، معتقدًا أن الهدف الأساسي هو إقامة دولة صديقة للولايات المتحدة، مستقرة واقتصادياً مزدهرة.
وبالفعل، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستحكم فنزويلا حتى يتم تحقيق “انتقال حكيم للسلطة”، مشيرًا إلى أن رودريغيز كانت “مستعدة للقيام بما نعتقد أنه ضروري لجعل فنزويلا عظيمة من جديد”.
ديلسي رودريغيز: خيار مثير للجدل
اختيار رودريغيز، وهي شخصية بارزة في النظام السابق وتواجه عقوبات أمريكية، يثير تساؤلات حول طبيعة الانتقال السياسي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة. رودريغيز، من جانبها، أكدت أن مادورو لا يزال رئيسًا لـ فنزويلا، ورفضت فكرة أن تكون البلاد مستعمرة مرة أخرى.
هذا الوضع أثار استياءً واسعًا في الشارع الفنزويلي، حيث عبر أحد سكان كاراكاس، طلب عدم الكشف عن هويته، عن دهشته من إزاحة مادورو والإبقاء على رودريغيز في السلطة، معتبرًا ذلك أمرًا غير منطقي.
مستقبل فنزويلا: سيناريوهات محتملة
الوضع في فنزويلا لا يزال غامضًا، وتتعدد السيناريوهات المحتملة. هل ستنجح الولايات المتحدة في فرض رؤيتها الخاصة للانتقال السياسي؟ هل ستتمكن المعارضة الفنزويلية من استعادة زخمها والتأثير في مجريات الأمور؟ وهل ستتمكن ديلسي رودريغيز من قيادة البلاد نحو مستقبل جديد؟
الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب مراقبة دقيقة للتطورات السياسية على الأرض، وتحليل دقيق للمصالح المتضاربة للأطراف المعنية. من الواضح أن مستقبل فنزويلا يعتمد على التوازن الدقيق بين القوى الداخلية والخارجية، وعلى قدرة الفنزويليين على التوصل إلى حل سياسي يضمن الاستقرار والازدهار للبلاد. الوضع السياسي في فنزويلا يتطلب حلاً شاملاً يراعي مصالح جميع الأطراف، ويضمن انتقالاً ديمقراطياً حقيقياً. الاستقرار السياسي والاقتصادي في فنزويلا يمثل أولوية قصوى للمنطقة بأكملها.


