في عالم اليوم، لم تعد معضلات الشرطة تكمن في نقص الأدلة، بل في الكم الهائل منها. يواجه المحققون طوفاناً من البيانات الرقمية والتسجيلات التي قد تستغرق سنوات لتحليلها. هنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في التحقيقات الجنائية، ليُحدث ثورة في عمل الأجهزة الأمنية ويُسرّع وتيرة العدالة. هذا التحول ليس مجرد إضافة تكنولوجية، بل هو إعادة هيكلة لطريقة التعامل مع الجريمة، وتحويل البحث المضني إلى تحليل ذكي وفعّال.
الموجة الثانية من الذكاء الاصطناعي: نحو مكاتب التحقيق
بعد التركيز الأولي على استخدام الذكاء الاصطناعي في الميدان – كالدرونات وقارئات لوحات السيارات – نشهد الآن ما يُعرف بـ “الموجة الثانية” من هذه التقنيات. هذه الموجة تستهدف بشكل مباشر مكاتب التحقيق، وتزوّد الشرطة بأدوات متطورة قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات بسرعة ودقة غير مسبوقتين.
شركات ناشئة مثل “Closure” و “Longeye” تقود هذا التغيير، حيث تقدم حلولاً لتحليل آلاف الساعات من التسجيلات الصوتية والمرئية، ومراجعة منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وفحص صور القضايا القديمة، بهدف الكشف عن أدلة قد تكون غائبة عن أعين المحققين. هذه الأدوات لا تقتصر على جمع المعلومات، بل تمتد إلى ربطها وتحليلها للكشف عن أنماط وعلاقات خفية.
تسريع العدالة: تجربة أنكوراج في ألاسكا
مدينة أنكوراج بولاية ألاسكا الأمريكية تُعدّ مثالاً حياً على تأثير الذكاء الاصطناعي في مجال الأمن. فقد استثمرت الشرطة المحلية 375 ألف دولار في أداة “Closure” لمساعدتها في حل القضايا المعلقة.
يقول شون كيس، قائد شرطة أنكوراج، إن هناك العديد من القضايا التي كانت تُهمل سابقاً بسبب عدم القدرة على التعامل مع حجم البيانات المتوفرة. الآن، بفضل الذكاء الاصطناعي، يمكن إعادة فتح هذه التحقيقات، خاصة تلك المتعلقة بالمفقودين من السكان الأصليين في ألاسكا. التقنية تتيح للمحققين الجدد استيعاب ملفات قضايا ضخمة ومعقدة في غضون ساعات، بدلاً من الأسابيع التي كانت مطلوبة سابقاً.
كيف يعمل السحر التقني؟
تعتمد هذه الأنظمة على مجموعة من التقنيات الذكية التي تعمل كمساعد افتراضي للمحققين. من أبرز هذه التقنيات:
تحويل الصوت إلى نص
تقوم هذه الأنظمة بتحويل التسجيلات الصوتية والمقابلات إلى نصوص مكتوبة قابلة للبحث، مما يسهل عملية استخراج المعلومات الهامة وتحديد الكلمات المفتاحية.
الترجمة الفورية
تتيح هذه الميزة تحليل الأدلة بلغات مختلفة، بما في ذلك اللغات الأجنبية ولغات السكان الأصليين، وترجمتها للمحققين، مما يوسع نطاق التحقيق ويزيل الحواجز اللغوية.
تحليل الأنماط واقتراح المشتبه بهم
تعتمد هذه الأنظمة على خوارزميات متطورة لتحليل البيانات وتحديد الأنماط والعلاقات بينها، مما يساعد في تقديم نظريات بديلة واقتراح مشتبه بهم بناءً على الأدلة المتاحة. هذا الجانب من التحليل الجنائي الرقمي يوفر رؤى جديدة قد لا تظهر من خلال التحقيق التقليدي.
ويرى آرون زيلينجر، الرئيس التنفيذي لشركة Closure، أنهم يعملون على “صنع جيش من مساعدي (واتسون) لخدمة المحققين الذين يمثلون (شارلوك هولمز)”. الهدف ليس استبدال المحققين، بل تزويدهم بالأدوات التي تساعدهم على التركيز على الجوانب الأكثر أهمية في التحقيق.
المخاوف الأخوية والقانونية: التوازن المطلوب
على الرغم من الفوائد الواضحة، يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في العدالة الجنائية بعض المخاوف الأخوية والقانونية. منظمات حقوقية مثل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية (ACLU) تحذر من خطر “التحيز الخوارزمي”، حيث قد تؤدي الخوارزميات إلى نتائج غير عادلة أو تمييزية بناءً على بيانات متحيزة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك قلق بشأن انتهاك الخصوصية، خاصة فيما يتعلق بجمع وتحليل البيانات الشخصية. مؤسسة “الحدود الإلكترونية” (EFF) تنتقد صعوبة معرفة الجهات التي تستخدم هذه التقنيات، مما يعقد عملية المساءلة القانونية.
نحو عدالة متوازنة: دور JusticeText
لمواجهة هذه التحديات، ظهرت شركات ناشئة مثل “JusticeText” التي تهدف إلى تحقيق التوازن في استخدام الذكاء الاصطناعي في النظام القضائي. تركز “JusticeText” على مساعدة كل من المحامين العامين والمدافعين عن المتهمين في تصفح تسجيلات كاميرات الشرطة بسرعة وكفاءة.
هذا يضمن حصول جميع الأطراف على إمكانية الوصول إلى الأدلة ذات الصلة، مما يعزز الشفافية والعدالة في قاعة المحكمة. إن توفير أدوات مماثلة لكلا الجانبين يقلل من احتمالية استغلال التكنولوجيا من قبل جهة واحدة فقط.
في الختام، يمثل الذكاء الاصطناعي في التحقيقات الجنائية نقلة نوعية في عالم العدالة. ومع ذلك، يجب أن يتم استخدامه بحذر ومسؤولية، مع مراعاة المخاوف الأخوية والقانونية. الحفاظ على الشفافية وضمان المساءلة هما مفتاح الاستفادة الكاملة من هذه التقنيات مع حماية الحقوق والحريات الأساسية. نتوقع أن نشهد المزيد من الابتكارات في هذا المجال، مما سيؤدي إلى تطوير نظام قضائي أكثر كفاءة وعدالة. هل أنت مهتم بمعرفة المزيد عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الأمن؟ شاركنا رأيك في التعليقات!


