في تطورات متسارعة للأحداث في مدينة حلب شمال سوريا، بدأ الجيش السوري بقصف مكثف على حيي الأشرفية والشيخ مقصود، ذوي الغالبية الكردية، بعد انتهاء المهلة التي حددها لخروج المدنيين. يأتي هذا القصف على خلفية اشتباكات دامية بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مما يثير مخاوف كبيرة بشأن الوضع الإنساني والأمني في المنطقة. هذا المقال سيتناول تفاصيل هذه الاشتباكات، أسبابها، وتداعياتها المحتملة على مستقبل حلب و الوضع في حلب بشكل عام.
تصعيد القتال في حلب: قصف الأحياء الكردية
بعد أيام من التوتر المتزايد، تصاعدت الأحداث في حلب بشكل خطير. بدأ القصف المدفعي والصاروخي من قبل الجيش السوري على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في بعد ظهر الأربعاء، مباشرة بعد انتهاء المهلة التي منحت للمدنيين للخروج. المهلة جاءت عقب تبادل الاتهامات بين الطرفين بإشعال فتيل القتال، والذي أسفر عن سقوط تسعة قتلى يوم الثلاثاء.
الجيش السوري أعلن أن الحيين سيُعتبران “منطقة عسكرية مغلقة” بعد انتهاء المهلة، وحث المدنيين على الابتعاد عن مواقع القوات الكردية. هذا الإعلان زاد من حالة الذعر والخوف بين السكان، الذين بدأوا بالنزوح بشكل عاجل.
أسباب الاشتباكات وتدهور المفاوضات
تعود جذور هذه الاشتباكات إلى تعثر المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). كانت القواتان قد توصلتا في مارس الماضي إلى اتفاق يقضي بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية. قسد كانت تتطلع إلى ضمان حقوق الإدارة الذاتية في إطار الدولة السورية، بينما يبدو أن الحكومة السورية تسعى إلى استعادة السيطرة الكاملة على المناطق التي كانت تحت سيطرة القوات الكردية.
الخلافات الرئيسية تتعلق بتفاصيل تطبيق الاتفاق، خاصة فيما يتعلق بتقاسم السلطة والموارد، ومستقبل القوات الكردية. الاتهامات المتبادلة بإشعال الاشتباكات تشير إلى وجود تباين كبير في وجهات النظر حول كيفية تنفيذ الاتفاق، وعدم وجود ثقة كافية بين الطرفين.
نزوح المدنيين وتدهور الأوضاع الإنسانية
مع بدء القصف، شهدت حيي الأشرفية والشيخ مقصود نزوحًا جماعيًا للمدنيين. الآلاف من السكان، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، اضطروا إلى مغادرة منازلهم والبحث عن مأوى آمن. صور العائلات المتجهة نحو معابر الخروج، بوجوه يائسة وحزينة، تعكس حجم المعاناة التي يعيشها السكان.
العديد من السكان حملوا معهم أمتعتهم وممتلكاتهم الثمينة، بينما اضطر آخرون إلى ترك كل شيء خلفهم والركض من أجل حياتهم. كما شوهدت بعض العائلات وهي تصطحب مواشيها وحيواناتها الأليفة، في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. الوضع الإنساني في حلب يتدهور بسرعة مع استمرار القصف ونزوح المدنيين، مما يتطلب تدخلًا عاجلاً من المنظمات الإنسانية لتقديم المساعدة اللازمة.
ردود الفعل المحلية والدولية
أثارت الاشتباكات في حلب ردود فعل واسعة النطاق على المستويين المحلي والدولي. قوات سوريا الديمقراطية (قسد) اتهمت الجيش السوري بخرق الاتفاق وانتهاك حقوق السكان الكرد. من جهتها، اتهمت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” قوات سوريا الديمقراطية بقصف محيط الحيين وإحداث حرائق.
دولياً، أعربت العديد من الدول والمنظمات عن قلقها العميق بشأن الوضع في حلب، ودعت إلى وقف فوري لإطلاق النار وحماية المدنيين. كما طالبت بضرورة استئناف المفاوضات بين الطرفين للتوصل إلى حل سلمي يضمن حقوق جميع السوريين.
مستقبل حلب: سيناريوهات محتملة
مع استمرار القصف وتصاعد التوتر، يواجه مستقبل حلب حالة من عدم اليقين. هناك عدة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين التوصل إلى اتفاق جديد واندلاع مواجهات واسعة النطاق.
- السيناريو الأول: التوصل إلى اتفاق جديد بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) برعاية دولية، يضمن حقوق السكان الكرد ويحدد آليات لتطبيق الاتفاق السابق.
- السيناريو الثاني: استمرار القصف والاشتباكات، مما قد يؤدي إلى سيطرة الجيش السوري على الحيين وتغيير ديموغرافيتهما.
- السيناريو الثالث: تدخل أطراف خارجية، مثل تركيا أو الولايات المتحدة، لتغيير ميزان القوى في المنطقة.
بغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق، من الواضح أن الوضع في حلب يتطلب حلولاً عاجلة وشاملة تضمن حماية المدنيين وتحقيق الاستقرار في المنطقة. من الضروري أيضًا استئناف الحوار بين جميع الأطراف المعنية، والعمل على بناء الثقة وتعزيز التعاون، من أجل تحقيق سلام دائم في سوريا.
في الختام، الأحداث الجارية في حلب تمثل تصعيدًا خطيرًا في الصراع السوري، وتثير مخاوف كبيرة بشأن مستقبل المدينة وسكانها. من الضروري أن تعمل جميع الأطراف المعنية على إيجاد حل سلمي يضمن حماية المدنيين وتحقيق الاستقرار في المنطقة. ندعو المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته والضغط على الأطراف المتنازعة لوقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات.


