في مشهدٍ يعكس تذبذب السياسات وتناقضها، يشهد الاتحاد الأوروبي تحولاً ملحوظاً في تعامله مع ملف الهجرة إلى أوروبا. ففي استعراض صارخ للنفاق، تعيد بروكسل تبني إجراءات كانت تصفها قبل عقد من الزمن بأنها متطرفة ومعادية للأجانب. هذا التحول يضع مصير ملايين المهاجرين على المحك، ويثير تساؤلات جوهرية حول مبادئ وقيم الاتحاد.
المجر.. رائدة النهج المتشدد في مواجهة الهجرة
لطالما كانت المجر، بقيادة رئيس الوزراء فيكتور أوربان، في طليعة الدول التي تتبنى سياسات صارمة تجاه الهجرة غير الشرعية. وعلى مدى أكثر من عقد، تعرضت بودابست لانتقادات حادة وغرامات مالية ضخمة من الاتحاد الأوروبي بسبب رفضها الامتثال لحصص توزيع المهاجرين، وإصرارها على حماية حدودها بكافة الوسائل.
وبررت المجر موقفها بالقول إن استقبال أعداد كبيرة من المهاجرين يهدد الأمن القومي، ويخل بالتوازن الديموغرافي، ويضع ضغوطاً هائلة على البنية التحتية والخدمات العامة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اتهم أوربان الاتحاد الأوروبي بممارسة “الابتزاز السياسي” و”التدخل في الشؤون الداخلية” من خلال إملاء شروط تتعارض مع مصالح بلاده.
إعادة تقييم سياسات الهجرة: تبني “النموذج المجري”
مع تصاعد الضغوط على الحدود الأوروبية، وتزايد أعداد المهاجرين الذين يسعون إلى الوصول إلى القارة وتحديداً بعد أزمة اللاجئين عام 2015، بدأت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في سياساتها التقليدية. وظهرت أصداء “النموذج المجري” في عاصمةً أوروبية تلو الأخرى، مما يشير إلى تحول تدريجي في النهج العام.
الأسوار الحدودية: من رمز للعزلة إلى ضرورة أمنية
كان بناء الأسوار على الحدود الجنوبية للمجر بمثابة صدمة للاتحاد الأوروبي في البداية. إذ اعتبر الكثيرون أن هذه الخطوة تمثل انتهاكاً لقيم التسامح والانفتاح التي يتبناها الاتحاد. ومع ذلك، ومع تزايد التدفقات غير النظامية، بدأت دول أخرى في اتباع نفس النهج.
فقد أقامت سلوفينيا وبولندا وبلغاريا وليتوانيا ولاتفيا وفنلندا حواجز مادية على حدودها، كما عززت اليونان سياجها على طول نهر إيفروس. وبلغ الطول الإجمالي للحواجز الحدودية على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وداخل منطقة شنغن حوالي 1272 ميلاً بحلول عام 2022، مقارنة بـ 196 ميلاً في عام 2014.
“الدول الثالثة الآمنة”: توسيع نطاق المسؤولية
لم يقتصر التغير على بناء الأسوار، بل امتد ليشمل توسيع مفهوم “الدول الثالثة الآمنة”. فبينما كان هذا المفهوم يقتصر في السابق على الدول التي تربط طالبي اللجوء بها روابط قوية، بات يُنظر إليه الآن على نطاق أوسع.
تقترح بعض الدول الأوروبية، بناءً على اقتراح أوربان، اعتبار أي دولة يمر بها المهاجر هي “دولة ثالثة آمنة”، وبالتالي رفض طلب اللجوء تلقائياً. وهذا يعني أن المهاجر الذي عبر عدة دول قبل الوصول إلى أوروبا قد يجد نفسه في وضع لا يحظى فيه بأي حماية قانونية.
مناطق عدم الدخول: حصار للحقوق الأساسية
أحدث التطورات في سياسة إدارة الهجرة يتعلق بإنشاء ما يُعرف بـ “مناطق عدم الدخول”. وهي مناطق حدودية تمنح السلطات صلاحيات واسعة لاحتجاز المهاجرين، ومنع تسجيلهم، وإعادتهم عبر الحدود دون فتح أي إجراءات لجوء.
ويثير هذا النهج مخاوف جدية بشأن انتهاك الحقوق الأساسية للمهاجرين، وخاصة حقهم في طلب اللجوء. كما أنه يثير تساؤلات حول التزام الاتحاد الأوروبي بالقانون الدولي الإنساني.
دوافع التغيير: براغماتية أم شعبوية؟
يثير هذا التحول في السياسة الأوروبية تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراءه. فهل هو نابع من قناعة حقيقية بضرورة حماية الحدود، أم أنه استجابة للضغوط الشعبوية المتزايدة؟
يرى البعض أن بروكسل باتت تدرك أن سياساتها السابقة تجاه الهجرة غير القانونية كانت غير واقعية وغير فعالة. وأن الحفاظ على الأمن والاستقرار يتطلب اتخاذ إجراءات أكثر صرامة. ويشيرون إلى أن الضغوط الانتخابية المتزايدة من اليمين المتطرف في العديد من الدول الأوروبية قد ساهمت أيضاً في دفع الاتحاد نحو هذا التغيير.
النفاق الأوروبي: ثمن باهظ وغير عادل
في الختام، يكشف هذا التحول عن حالة من النفاق السياسي تعصف بالاتحاد الأوروبي. فبعد أن انتقدت بروكسل المجر بشدة بسبب سياساتها المتشددة، باتت اليوم تتبنى نفس الإجراءات وتبررها بذات الحجج.
إن هذا التحول يمثل انتصاراً للواقع على الخطابات الرنانة، لكنه يأتي بثمن باهظ وغير عادل. فالمهاجرون هم الذين يدفعون الثمن الأكبر من خلال حرمانهم من حقوقهم الأساسية، وتعريضهم لمخاطر جمة. ويبقى السؤال الأهم: هل يمكن للاتحاد الأوروبي أن يحافظ على قيمه ومبادئه في مواجهة التحديات المتزايدة؟ مستقبل الاستقرار في أوروبا قد يعتمد على الإجابة.


