في مقالي السابق الذي تناول تطورات العام الجديد، أشرت إلى ظهور ما يمكن وصفه بـ”السياسة التجريفية” في البيت الأبيض كأكثر التطورات إثارة للقلق. يبدو أن الولايات المتحدة تعيد إنتاج سياسات تصدم المراقبين، وتثير تساؤلات حول إدارة العصر الأمريكي بعد عقود من المؤسسات الدولية والتقاليد الدبلوماسية. هذه السياسة، التي تتسم بالعدوانية وعدم الاكتراث بالقواعد الدولية، تثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل النظام العالمي، خاصة مع التركيز المتزايد على السياسة الأمريكية في مناطق مختلفة من العالم.
عودة “التجريف” الأمريكي: هل العالم على أعتاب مرحلة جديدة؟
إن ما نشهده ليس مجرد انتهاك للسيادة أو إعلان حرب تقليدي، بل هو تجاوز أعمق، يعكس حالة من الغطرسة لدى قوة تعتبر نفسها فوق القانون. هذه القوة، التي تبدو بلا ضوابط، قادرة على إعادة تشكيل العالم وفقًا لمصالحها الأنانية، ونتيجته وخيمة على الجميع. بعد فترة من الهدوء النسبي أعقبت مغادرة دونالد ترامب، يبدو أن العالم يستعد لمزيد من الاضطرابات، وتجربة القوة الأمريكية المتجددة.
الجميع يتذكر كيف بدا العالم أكثر هدوءًا عند رحيل ترامب قبل خمس سنوات، وكيف تنفس الصعداء. ولكن هذا الهدوء لم يدم طويلًا، فالأمر لم يكن يتعلق بشخص ترامب فقط، بل بوجود توجه هيكلي داخل السياسة الخارجية الأمريكية نحو التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ومحاولة فرض إرادتها عليها.
من فنزويلا إلى إيران: تجريف أمريكي شامل
الولايات المتحدة لم تكتفِ بالتركيز على منطقة الشرق الأوسط، بل وسعت نطاق تدخلها ليشمل مناطق أخرى. وتتجلى هذه السياسة في مواقفها تجاه حلف الناتو، وفرضها للضرائب، وتعاملها مع دول مثل إيران وفنزويلا. يبدو أن هناك رغبة حقيقية في إعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للعالم، مع تجاهل تام للعواقب الوخيمة التي قد تنجم عن ذلك.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: ماذا يعني “اختطاف” رئيس دولة؟ هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا في حالة فنزويلا، حيث تتعرض البلاد لتهديدات أمريكية متزايدة، والرئيس مادورو هو الهدف الرئيسي. بغض النظر عن طبيعة الحماية الأمنية المتاحة له، فإن مجرد التفكير في اعتقال رئيس دولة مستقل وعضو في الأمم المتحدة يثير دهشة المراقبين، ويطرح تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة بالقانون الدولي.
لا شك أن هذه ليست سوابق جديدة. ففي عهد الرئيس جورج بوش الابن، شهد العالم الغزو الأمريكي للعراق، واعتقال صدام حسين وإعدامه، في تحدٍ سافر للأمم المتحدة وأعرافها. وهذا يوضح أن ترامب لم يكن حالة شاذة، بل هو مجرد تعبير عن نزعة متأصلة في السياسة الأمريكية نحو الهيمنة والقوة الغاشمة.
النفط والمصالح: وقود السياسة الأمريكية
يكمن السر في النفط، كما صرخ أحد الرؤساء الديمقراطيين في التسعينيات: “إنه الاقتصاد يا غبي!”. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الطاقة وشركاتها المحرك الرئيسي للسياسات الأمريكية. فالجمهوريون يملكون ويستثمرون في شركات الطاقة، وهذا هو القاسم المشترك بين مادورو وصدام حسين: كلاهما يقودان دولتين تمتلكان احتياطات ضخمة من النفط، وكلاهما يرفض الخضوع للإملاءات الأمريكية. وبالتالي، ينبغي إزالتهما، وتحويلهما إلى عبرة لكل من تسول له نفسه تحدي القوة الأمريكية.
تكرار التاريخ: من صقلية إلى فنزويلا
إن التاريخ الأمريكي مليء بالأمثلة التي تؤكد هذه النزعة. فعملية إنزال القوات الأمريكية في صقلية خلال الحرب العالمية الثانية تمت بصفقة مع المافيا الإيطالية، حيث سهلت المافيا عملية الإنزال مقابل غض الطرف عن أنشطتها الإجرامية. وبالمثل، يتم تبرير التدخل الأمريكي في فنزويلا بتهم ملفقة ضد الرئيس مادورو، مثل اتهامه بالاتجار بالمخدرات.
المسألة تتعلق بالمصالح في المقام الأول، أما التهم فهي مجرد أداة لتحقيق هذه المصالح. ففي لحظة من اللحظات، يمكن للإمبراطورية أن تسقط اتهامات الإرهاب عن زعيم كانت قد رصدت مكافأة للقبض عليه، وفي لحظة أخرى، يمكنها أن توجه ما يكفي من التهم ضد أي رئيس يعارض مصالحها.
إهانة إنسانية وتجاهل للعدالة
صور الرئيس مادورو، وهو يتحول من زعيم دولة إلى أسير، تثير الدهشة والحزن. فهل وصلت الوحشية إلى هذا الحد؟ هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما حدث مع الرئيس العراقي، ويطرح تساؤلات حول القيم الإنسانية التي تحكم السياسة الأمريكية.
من يدرس التاريخ الأمريكي بعمق، يعرف أن هذه السلوكيات ليست جديدة. فالدولة الأمريكية، منذ تأسيسها، مرت بمراحل من التطهر الظاهري، ثم العودة إلى ممارساتها القديمة، التي تتسم بالتدخل والهيمنة. وهذا ما يراه الفلسطينيون يوميًا.
الضبابية المستقبلية وغياب المساءلة
لو كانت هناك عدالة وقانون، لكان المنطق يقضي برؤية قوات دولية تجر نتنياهو إلى المحكمة لمحاكمته على جرائمه، ولكن العصر الأمريكي يقدم لنا نماذج مختلفة تمامًا. علينا أن نعتاد على هذه النزعة المتطرفة، ونتجنب أن نعيش في وهم بأن القوة الأمريكية ستتغير قريبًا.
في الختام، يجب أن ندرك أن السياسة الأمريكية الحالية تتسم بالتجريف والعدوانية، وأنها تثير تهديدات حقيقية للنظام العالمي. إن فهم هذه الديناميكية، وتحليلها بعمق، هو الخطوة الأولى نحو مواجهتها، والتخفيف من آثارها الوخيمة. هذه السياسات تتطلب مراقبة دقيقة، وتحليل موضوعي، بحثًا عن حلول مستدامة تضمن السلام والاستقرار للعالم.


