مع اختتام القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تقف على عرش العالم، تمتلك أقوى اقتصاد وأعتد جيش، مدعومة بشبكة تحالفات عالمية متينة. هذا التفوق لم يكن مجرد قوة عسكرية واقتصادية، بل انعكس إيجاباً على مستوى معيشة المواطنين الأمريكيين. لكن، منذ بداية هذا القرن، بدأت ملامح هذا الهيمنة تتغير، وتراكمت التحديات التي أدت إلى تراجع تدريجي، وهو ما يصفه المحلل السياسي وليام غالستون بـ تراجع أمريكا الذي دام 25 عاماً. يستعرض هذا المقال الأسباب الرئيسية التي ساهمت في هذا التراجع، مع التركيز على السياسات الاقتصادية، والتحولات الجيوسياسية، والأزمات الداخلية، وتقديم نظرة مستقبلية للوضع.
عصر الفوائض والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية: بداية التحولات
في نهاية التسعينيات، شهدت الولايات المتحدة فائضاً في الميزانية الفيدرالية لأربع سنوات متتالية، وهو إنجاز لم يتحقق منذ عقود. أثار هذا الفائض تفاؤلاً حول إمكانية سداد الدين الوطني المستحق، وتحسين البنية التحتية، وزيادة الاستثمار في المجالات الحيوية. ولكن، بمبادرة من الحزبين الرئيسيين، تم دعم انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية.
على الرغم من أن الهدف كان خلق سوق عالمية أكثر انفتاحاً، إلا أن هذه الخطوة أدت إلى عواقب وخيمة على الصناعة الأمريكية. تدفق الواردات الرخيصة من الصين أدى إلى إغلاق المصانع وفقدان وظائف قطاع الصناعة، حيث خسرت الولايات المتحدة 5.7 مليون وظيفة، وهو ما يمثل ثلث إجمالي الوظائف الصناعية التي كانت موجودة. لم يتم تقديم دعم كاف للعمال المتضررين، مما أدى إلى تفاقم الاستياء الشعبي وتدهور مستوى المعيشة لدى الكثيرين.
أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها: الحرب على الإرهاب وإغفال الصين
شكلت هجمات 11 سبتمبر نقطة تحول حاسمة في تاريخ الولايات المتحدة. رد فعل الرئيس جورج بوش الابن كان قوياً، لكنه تجاوز الضرورة، حيث انطلقت “الحرب العالمية على الإرهاب” التي استنزفت الموارد والاهتمام لسنوات طويلة. بالإضافة إلى التكاليف البشرية والمادية الهائلة، أدت هذه الحرب إلى إضعاف الاقتصاد الأمريكي وتشتيت الجهود عن القضايا الداخلية.
بينما كانت الولايات المتحدة منشغلة بالصراعات في أفغانستان والعراق، بدأت الصين في الصعود كقوة اقتصادية وعسكرية عالمية. تم تجاهل التهديد الصيني المتزايد تقريباً، مما سمح لبكين بتوسيع نفوذها في جميع أنحاء العالم. كما أدت الحملات العسكرية في الشرق الأوسط إلى نفور العديد من الأمريكيين من الانخراط الدولي، مما أضعف الدور القيادي للولايات المتحدة في العالم.
الأزمة المالية وانهيار الثقة: سوء الإدارة الاقتصادية
قبل أحداث 11 سبتمبر، كان مكتب الميزانية في الكونغرس يتوقع استمرار الفوائض المالية طوال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لكن بعد فترة وجيزة، تغيرت التوقعات بشكل جذري بسبب التخفيضات الضريبية الكبيرة، وزيادة الإنفاق الحكومي، وتراجع النمو الاقتصادي. في نهاية المطاف، عام 2001 كان آخر عام تشهد فيه الولايات المتحدة فائضاً في الميزانية، وتبخرت فرص سداد الدين الوطني.
كما امتد سوء الإدارة الاقتصادية إلى الأسواق المالية، حيث آمن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، آلان غرينسبان، بأن المصلحة الذاتية ستدفع البنوك والمؤسسات المالية إلى تجنب المخاطر المفرطة. ولكن، هذا الافتراض تبين أنه خاطئ، وأدى انهيار شركات “وول ستريت” الكبرى في عام 2008 إلى أزمة مالية عالمية وركود اقتصادي حاد.
اعترف غرينسبان لاحقاً بخطأه، ولكن الضرر كان قد وقع، واستمرت آثار الركود لسنوات طويلة، مما أدى إلى تآكل الثقة في النظام المالي والاقتصادي الأمريكي. السياسة الاقتصادية أصبحت مادة للشك والنقد.
الاستقطاب السياسي وتصاعد المشاكل: تدهور النظام الدستوري
بحلول عام 2010، وصل الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة. أصبح من الصعب على الحزبين الرئيسيين التوصل إلى توافق بشأن القضايا الهامة، مما أدى إلى شلل في الحكومة وعجز عن معالجة المشاكل المتراكمة.
في مواجهة المعارضة التشريعية، لجأ رؤساء الحزبين إلى استخدام الأوامر التنفيذية واللوائح لتجاوز الكونغرس. وقد أدى التوسع في صلاحيات الرئيس، والذي سرّعه الرئيس دونالد ترامب، إلى تشويه النظام الدستوري وتقويض فكرة الفصل بين السلطات.
تحديات مستقبلية: من الرعاية الصحية إلى الهجرة
اليوم، تواجه الولايات المتحدة سلسلة من التحديات المعقدة التي تهدد مستقبلها. الأسر الشابة لا تستطيع تحمل تكاليف شراء المنازل، ونظام الرعاية الصحية يكافح لمواجهة الزيادة المتوقعة في عدد كبار السن (الذين تبلغ أعمارهم 80 عاماً فما فوق، والذين من المتوقع أن يرتفع عددهم إلى 23 مليوناً بحلول عام 2030).
كما أن صناديق الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية مهددة بالإفلاس بحلول عام 2033 إذا لم يتخذ الكونغرس إجراءات إصلاحية. وإضافة إلى ذلك، أضعف الرئيس ترامب ثقة حلفاء واشنطن في قدرة الولايات المتحدة على تقديم الدعم والقيادة في الساحة الدولية. التحديات الديموغرافية تزيد الوضع سوءاً. لم يختلف الوضع كثيراً في عهد الرئيس بايدن بل تفاقم في بعض الجوانب.
هل يمكن تجاوز تراجع أمريكا؟
ختاماً، يمكن القول أن الولايات المتحدة تواجه لحظة حاسمة في تاريخها. إن تراجعها ليس حتمياً، ولكن يتطلب قيادة حكيمة وواقعية، وقدرة على تجاوز الانقسامات الحزبية، والتعاون لإيجاد حلول للقضايا الصعبة. فقط من خلال معالجة المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتراكمة، يمكن للولايات المتحدة استعادة مكانتها كقوة عالمية رائدة، وبدء حقبة جديدة من النمو والازدهار. يجب أن يكون الحوار البناء هو السبيل لاستعادة الثقة ووضع البلاد على طريق التعافي.


