مهرجان الحصن في أبوظبي هذا العام يحتفي بالبشت والبرقع: رمزية الأصالة وتجديد الهوية الإماراتية
كعادته كل عام، يشكل مهرجان الحصن نافذةً تطل على ماضي الإمارات العريق، ووجهةً تحتفي بالهوية الوطنية، وتُعمّق الارتباط بإرث أبوظبي الحي. المهرجان ليس مجرد فعالية ثقافية، بل هو حوار بين الأجيال، يضمن استمرارية التقاليد الإماراتية، ويساهم في حماية التراث والترويج له، مع ربطه بالمستقبل من خلال تطويره ليصبح جزءاً من استراتيجية الدولة في تنمية الصناعات الإبداعية. تتواصل فعاليات المهرجان حتى الأول من فبراير المقبل في موقع الحصن التاريخي بتنظيم من دائرة الثقافة والسياحة بأبوظبي، ويقدم هذا العام تجربة فريدة من خلال تسليط الضوء على أزياء الإمارات التقليدية، وعلى رأسها البشت الرجالي والبرقع النسائي.
معرض “هدوب الزري”: حكاية خيوط الذهب والفضة
يُعد معرض “هدوب الزري” جوهرة هذا العام من مهرجان الحصن، حيث يعرض مجموعة رائعة من البشوت والبرقع الإماراتية، التي تجسد فنون النسيج والتطريز العريقة. هذه القطع ليست مجرد ملابس، بل هي رموز ثقافية تحمل في طياتها عبق الماضي وأسرار الحرف المتوارثة جيلاً بعد جيل. كل خيط منسوج وكل تطريز برّاق يروي حكاية أيادٍ ماهرة أبدعت في تشكيل معالم الهوية الإماراتية.
البشت: رمز الفخامة والقيادة
يكشف المعرض عن مكانة البشت كرمز للفخامة والقيادة، حيث تتزين خيوطه بالذهب الذي يضفي عليه رونقاً خاصاً. لم يكن البشت مجرد لباس، بل كان جزءاً لا يتجزأ من حياة رجالات الإمارات، يرافقهم في المجالس ومواقع اتخاذ القرار، وفي لقاءاتهم مع القيادة في المراحل المفصلية من تاريخ الدولة.
البرقع: سحر الأنوثة وجمال الحياء
بينما يعكس البرقع ببريقه الخفي سحر الأنوثة وجمال الحياء، ليتحول مع مرور الزمن إلى قصيدة صامتة تحتفي بالأصالة وتعكس الكبرياء والاعتزاز بالجذور. هذان الرمزان، البشت والبرقع، هما أكثر من مجرد زي تقليدي، بل هما مرآة للتاريخ وروح متجددة تضيء ملامح الهوية الإماراتية أينما حلت.
قصص من الماضي: البشت كشاهد على التاريخ
لا يقتصر المعرض على عرض القطع الأثرية، بل يتيح للزوار فرصة التعرف على قصص شخصية مرتبطة بهذه الأزياء. يضم المعرض ركناً يعرض بشوت تعود لشخصيات إماراتية بارزة، مثل الراحل بطي بن بشر، أحد مرافقي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
وتشارك الدكتورة عائشة بنت بطي بن بشر، الخبيرة في مجال التحول الرقمي ونجلة الراحل، ذكرياتها عن البشت في حياة والدها، مؤكدة أنه لم يكن مجرد لباس تقليدي، بل رمزاً للوقار والمسؤولية والالتزام. وتضيف أن البشت كان يرافق والدها في عمله العام، في المجالس والجولات الميدانية، وكان يفضل اللون البني الفاتح الذي يعكس الرصانة والتوازن والقرب من الناس. كما تشير إلى أن البشت الأسود كان يرتديه في المناسبات الرسمية، بينما كان الرمادي يرتديه في المواقف التي تتطلب حكمة وإنصاتاً.
ذكريات عائلية وأيام الجمعة
يستعرض سعيد خميس السويدي ذكرياته حول بشت جمعة بن سيف بن بطي المهيري، وكيف كان يحرص على ارتدائه في زيارة الأرحام أيام الجمعة، وفي الأعياد والأعراس، وفي لقاءات الشيوخ والأعيان. هذه الذكريات تعكس أهمية البشت في الحياة الاجتماعية والثقافية للإمارات.
فن التطريز: لوحة فنية على أقمشة عريقة
يُعد تطريز البشت الإماراتي لوحة فنية تتداخل فيها أنواع الخيوط وأشكال النقوش، لتروي حكاية الذوق والأصالة. تتنوع الخيوط المستخدمة، مثل الزري (الخيوط الذهبية أو الفضية الفاخرة) والبريسم (الخيوط الحريرية الناعمة)، وتأتي أجودها من ألمانيا وفرنسا والهند. تتنوع أيضاً ألوان البشت، حيث يرمز الأسود إلى الرسمية والهيبة، بينما يستخدم البني والجملي في الحياة اليومية، والكريمي والأبيض في لحظات السعادة، والرمادي والفضي في التصاميم الحديثة.
ذكريات عن حامل المبخرة ورائحة العود
تشارك سلمى عتيق كليب الهاملي ذكرياتها عن بشت يعود لصالح بن كليب بن عبدالله الهاملي، مؤكدة أنه كان يفوح منه رائحة العود، وأن عمها كان يرتديه في الأعياد والمناسبات. وتضيف أنه كان يحمل معه المبخرة والعود ليبخر المسجد به كل جمعة، مما يعكس أهمية العطور والبخور في الثقافة الإماراتية.
مهرجان الحصن: استمرارية الهوية الإماراتية
يُعد مهرجان الحصن منصة مهمة للحفاظ على التراث الإماراتي وتعزيزه، ونقله إلى الأجيال القادمة. من خلال تسليط الضوء على رموز ثقافية مثل البشت والبرقع، يساهم المهرجان في ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الشعور بالفخر والاعتزاز بالجذور. إن زيارة مهرجان الحصن هي رحلة في الذاكرة، وفرصة للتعرف على عادات وتقاليد الإمارات العريقة، والتفاعل مع فنون وحرف أجدادنا. لا تفوتوا فرصة حضور هذا المهرجان المميز الذي يجسد أصالة الماضي وتجديد الحاضر.


