تنتشر النصائح على تطبيق “تيك توك” لكشف الشخص النرجسي، بدءًا من البحث عن “العدوانية السلبية” كما اقترح أحد المؤثرين، وصولًا إلى وصفه بأنه “شخص يخلق تبعية عاطفية”. هذا الاهتمام المتزايد يعكس فهمًا أوسع لهذه الشخصية المعقدة، لكن ما هي النرجسية حقًا؟ وهل كل من يظهر سلوكيات مزعجة هو بالضرورة نرجسي؟ هذا المقال يستكشف مفهوم النرجسية، وأنواعها المختلفة، والخرافات الشائعة حولها، وكيفية التعامل معها.
ما هي النرجسية؟ تعريف وتوضيح
قبل عقود، كان مصطلح النرجسية يُستخدم بشكل أساسي في السياقات السريرية أو الدراسات البحثية. أما اليوم، فقد أصبح “مصطلحًا جامعًا لطيف واسع من السلوكيات المكروهة أو المُحبطة”، كما يوضح الدكتور فيرجيل زيغلر – هيل، أستاذ علم النفس في جامعة أوكلاند. النرجسية، أو الرغبة الشديدة في الشعور بالتميز والتفرد، هي سمة شخصية موجودة بدرجات متفاوتة لدى الجميع. امتلاك بعض الصفات النرجسية لا يعني بالضرورة الإصابة باضطراب الشخصية النرجسية، بل يعني أن الشخص يميل إلى التركيز على ذاته وتقديرها بشكل مبالغ فيه.
اضطراب الشخصية النرجسية: متى تصبح النرجسية مشكلة؟
هناك معايير تشخيصية محددة لاضطراب الشخصية النرجسية (NPD)، تتضمن الحاجة الماسة للإعجاب، والشعور المفرط بأهمية الذات، وانعدام التعاطف مع الآخرين. هذه السمات ليست مجرد سلوكيات عابرة، بل هي أنماط مستمرة تؤثر سلبًا على حياة الشخص وعلاقاته، سواء الشخصية أو المهنية. تتسبب في ضيق نفسي مستمر، وتعيق القدرة على بناء علاقات صحية ومستدامة.
خرافات وحقائق حول النرجسية
الكثير مما يُقال عن النرجسية هو مجرد تصورات خاطئة. دعونا نفحص بعض الخرافات الشائعة ونواجهها بالحقائق:
خرافة: النرجسيون الأكثر ضرراً يعانون من اضطراب نفسي.
ليست كل النرجسية مرتبطة باضطراب نفسي رسمي. حتى الأشخاص الذين لا يستوفون معايير اضطراب الشخصية النرجسية يمكن أن يتسببوا في أذى لأنفسهم وللآخرين من خلال سلوكياتهم. اضطراب الشخصية النرجسية نادر نسبيًا، حيث يُقدر انتشاره بين 1% و 2% من البالغين.
خرافة: جميع النرجسيين متشابهون.
على مر السنين، حدد الباحثون أنواعًا مختلفة من النرجسيين، مما يدل على أن هذه الشخصية ليست نمطية واحدة.
النرجسية الفاعلة
تتميز بالثقة بالنفس، والحزم، والشعور بالاستحقاق، والتركيز على المكانة والسلطة والنجاح. هذا هو النمط الذي يتبادر إلى الذهن غالبًا عند التفكير في شخص نرجسي.
النرجسية العصابية
تتميز بالحاجة الدائمة للتقدير، والحساسية المفرطة للنقد، والقلق، وعدم الاستقرار العاطفي، وانعدام الأمان. غالبًا ما يعاني هؤلاء الأشخاص من شعور عميق بالخجل.
النرجسية العدائية
تتميز بالتنافسية، والاستغلالية، والعدوانية، والرغبة في التقليل من شأن الآخرين لإظهار التفوق.
خرافة: النرجسيون يفتقرون إلى التعاطف تمامًا.
النرجسيون قادرون على التعاطف، ولكن غالبًا ما يكون ذلك مرتبطًا بمصالحهم الشخصية. قد يتعاطفون عندما يحتاجون إلى شيء ما، أو لإظهار أنفسهم بمظهر المتعاطف. في حالات أخرى، قد يفهمون الحاجة إلى التعاطف لكنهم لا يهتمون بإظهار أي استجابة رحيمة. هذا “التعاطف” الظاهري قد يكون مضللاً، فهو يشبه المحليات الصناعية التي تعطي طعم السكر دون أن تكون كذلك.
خرافة: النرجسيون لا يدركون أنهم نرجسيون.
الأبحاث تشير إلى أن النرجسيين غالبًا ما يكونون على دراية بالجوانب السلبية في شخصياتهم، مثل التباهي والغطرسة. ومع ذلك، فإنهم لا يرون في ذلك مشكلة، بل قد يعتبرونه دليلًا على تفوقهم.
خرافة: النرجسي لا يتغير أبدًا.
على الرغم من صعوبة ذلك، إلا أن النرجسية ليست سمة ثابتة تمامًا. تميل إلى الانخفاض مع التقدم في العمر، وقد يقلل الأفراد من نزعاتهم النرجسية عندما يشجعون على الاهتمام بالآخرين أو التأمل في قيمهم. العلاج النفسي يمكن أن يكون فعالًا، خاصةً للأفراد الذين يعانون من النرجسية العصابية.
النرجسية والتعامل معها: نصائح وإرشادات
فهم النرجسية هو الخطوة الأولى للتعامل معها. إذا كنت تشك في أن شخصًا ما في حياتك نرجسي، فمن المهم وضع حدود صحية وحماية نفسك من التلاعب العاطفي. تجنب محاولة تغييرهم، وركز بدلاً من ذلك على رعاية صحتك النفسية. إذا كنت تعاني من آثار سلوك شخص نرجسي، فقد يكون من المفيد طلب الدعم من معالج نفسي أو مجموعة دعم.
خاتمة
النرجسية مفهوم معقد ومتعدد الأوجه. من خلال فهم أنواعها المختلفة، والخرافات الشائعة حولها، وكيفية تأثيرها على العلاقات، يمكننا حماية أنفسنا وبناء علاقات صحية ومستدامة. إذا كنت تعتقد أنك قد تكون نرجسيًا، أو أنك تعاني من علاقة مع شخص نرجسي، فلا تتردد في طلب المساعدة المتخصصة.

