تباينت ردود الفعل الدولية بشكل كبير على دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتشكيل “مجلس السلام” العالمي، وهي مبادرة تهدف إلى حل النزاعات الدولية، لكنها أثارت جدلاً واسعاً حول دوافعها وتأثيرها المحتمل على دور الأمم المتحدة. فبين قبول حذر ورفض صريح، وتردد وصمت، تتجلى تعقيدات المشهد السياسي العالمي في التعامل مع هذه الخطة المثيرة للجدل. وقد بدأ ترمب في طرح هذه الفكرة في سبتمبر الماضي كجزء من خطته لإنهاء الحرب في غزة، لكن الدعوات الرسمية التي أُرسلت إلى أكثر من 60 دولة، الأسبوع الماضي، توسعت لتشمل دوراً أوسع في حل النزاعات حول العالم.
ما هو “مجلس السلام” الذي اقترحه ترمب؟
اقترح الرئيس ترمب إنشاء “مجلس السلام” كآلية جديدة لمعالجة النزاعات العالمية، مع التركيز بشكل خاص على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وفقاً لمسودة الميثاق التي أرسلتها الإدارة الأمريكية إلى الدول المعنية، فإن الانضمام إلى المجلس يتطلب مساهمة مالية كبيرة، تصل إلى مليار دولار، مقابل الحصول على “مقعد دائم” وعضوية ممتدة تتجاوز الثلاث سنوات. هذا الشرط المالي أثار انتقادات واسعة، واعتبره البعض بمثابة “شراء للنفوذ” أو محاولة لتقييد مشاركة الدول ذات الإمكانيات المحدودة. الهدف المعلن هو إنشاء هيئة دولية أكثر “مرونة وفعالية” في بناء السلام، لكن العديد من الدبلوماسيين الغربيين يعربون عن قلقهم من أن هذه المبادرة قد تقوض جهود الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.
ردود الفعل الدولية المتباينة
لم تكن ردود الفعل على دعوة ترمب موحدة، بل اتسمت بالتنوع والتباين. بعض الدول أعلنت قبولها المبدئي للمبادرة، بينما أبدت دول أخرى تحفظاتها أو رفضت الانضمام بشكل قاطع. وتشمل الدول التي وافقت رسمياً على الانضمام إلى “مجلس السلام” حتى الآن: الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والمغرب، والمجر، وبيلاروس، وكازاخستان. وقد أكدت هذه الدول على أهمية المضي قدماً في جهود السلام، وتعهدت بالمساهمة في تحقيق أهداف المجلس.
دول تدرس الدعوة بحذر
في المقابل، تتخذ بعض الدول موقفاً أكثر حذراً، وتدرس الدعوة قبل اتخاذ قرار نهائي. فقد صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن كييف تتلقى الدعوة، وأن الدبلوماسيين يدرسونها، معرباً عن صعوبة تصور وجود أوكرانيا وروسيا معاً في هذا المجلس. وفي تركيا، قال وزير الخارجية هاكان فيدان إن الرئيس رجب طيب أردوغان سيتخذ قراراً قريباً بشأن الانضمام، بعد تلقي الدعوة. أما إسرائيل، فقد تلقت الدعوة أيضاً، لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت ستقبلها أم لا، خاصة بعد انتقاد مكتب رئيس الوزراء نتنياهو لتشكيل المجلس التنفيذي لغزة.
رفض أوروبي وتحذيرات من تقويض الأمم المتحدة
أبدت بعض الدول الأوروبية رفضاً صريحاً للانضمام إلى “مجلس السلام”، معبرة عن مخاوفها من أن ذلك قد يقوض دور الأمم المتحدة. فقد أكدت المفوضية الأوروبية أن رئيستها أورسولا فون دير لاين تلقت الدعوة، لكنها فضلت عدم الإفصاح عن ردها. وحذرت وزيرة الخارجية الإيرلندية هيلين ماكنتي من أن الإطار الأمريكي “سيحمل تفويضاً أوسع من مجرد تنفيذ خطة السلام لغزة”، وأكدت على “التفويض الفريد” للأمم المتحدة في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين. وفي النرويج، أعلن نائب وزير الخارجية أندرياس موتزفيلد كرافيك أن بلاده لن تشارك في المبادرة بالطريقة التي عُرضت بها حالياً.
تهديدات ترمب وفرنسا
تصاعدت حدة الجدل حول “مجلس السلام” بعد تهديد الرئيس ترمب بفرض رسوم جمركية على الخمور الفرنسية، رداً على رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الانضمام إلى المجلس. واعتبر ترمب أن رفض ماكرون غير مبرر، وهدد باتخاذ إجراءات اقتصادية لإجباره على تغيير موقفه. وقد أثار هذا التهديد انتقادات واسعة، واعتبره البعض بمثابة تدخل سافر في السيادة الفرنسية ومحاولة لابتزاز الدول من أجل دعم مبادرة “مجلس السلام”.
مستقبل “مجلس السلام” وتأثيره على النظام الدولي
يبقى مستقبل “مجلس السلام” غير واضح، ويتوقف على مدى قدرة الإدارة الأمريكية على إقناع المزيد من الدول بالانضمام إليه. ومع ذلك، فإن هذه المبادرة تثير تساؤلات مهمة حول مستقبل النظام الدولي ودور الأمم المتحدة. هل يمثل “مجلس السلام” محاولة لإنشاء كيان مواز للأمم المتحدة، أم أنه مجرد آلية إضافية لمعالجة النزاعات؟ وهل ستتمكن هذه المبادرة من تحقيق أهدافها في بناء السلام، أم أنها ستؤدي إلى تفاقم الانقسامات والتوترات الدولية؟ هذه الأسئلة تتطلب متابعة دقيقة وتحليل معمق لتطورات الوضع.
في الختام، يمثل “مجلس السلام” الذي اقترحه الرئيس ترمب مبادرة جريئة ومثيرة للجدل، تثير تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي ودور الأمم المتحدة. ويتوقف نجاح هذه المبادرة على مدى قدرة الإدارة الأمريكية على بناء توافق دولي حولها، ومعالجة المخاوف التي أثارها العديد من الدبلوماسيين والسياسيين حول العالم.


