في خطوة قضائية تعكس تعقيدات النزاعات المالية بين شركات التأمين، أصدرت المحكمة المدنية الابتدائية في دبي حكمًا بإجراء مقاصة قضائية بين شركتي تأمين في قضية شملت أكثر من 200 حادث مروري. هذا الحكم، الذي يلزم إحدى الشركتين بدفع مبلغ 111,687 درهمًا بالإضافة إلى فائدة قانونية بنسبة 5% سنويًا، يمثل سابقة مهمة في فهم آليات تسوية المطالبات المتداخلة.

جذور الخلاف: مطالبات متقابلة بين عمالقة التأمين

بدأ النزاع عندما طالبت إحدى شركات التأمين بمبلغ يتجاوز مليون درهم. زعمت الشركة المدعية أنها تكبدت هذه الخسارة نتيجة إصلاح مركبات مؤمنة لديها تعرضت لـ201 حادث مروري، وكانت المركبات المتسببة في هذه الحوادث مؤمنة لدى الشركة الأخرى. استندت الشركة المدعية في مطالبها إلى مبدأ “الحلول القانوني”، الذي يخولها الرجوع على المتسبب في الضرر، أو على شركة التأمين الخاصة به، لاسترداد المبالغ التي دفعتها لعملائها.

توضح الشركة المدعية أنها قد سددت التعويضات لعملائها امتثالًا لوثائق التأمين الموقعة، وحاولت استرداد هذه المبالغ من الشركة المدعى عليها دون جدوى. الأمر الذي دفعها لرفع دعوى قضائية مدعومة بتقرير خبرة مفصل وكشوفات بالحوادث وقيم الإصلاحات.

دعوى متقابلة وتدخل الخبراء لموازنة الأمور

لم تكتفِ الشركة المدعى عليها بالرد على الدعوى الأصلية، بل تقدمت بدعوى متقابلة، مطالبة بمبلغ 805 آلاف درهم. أكدت الشركة المدعى عليها أنها تحملت بدورها تعويضات عن حوادث تسببت فيها مركبات مؤمنة لدى الشركة المدعية. هنا، طالبت الشركة المدعى عليها بإجراء مقاصة قضائية شاملة لتصفية الحسابات بين الطرفين بشكل نهائي.

نظرًا لتعقيد هذا التشابك المالي، كلفت المحكمة خبيرًا فنيًا لمراجعة جميع المطالبات. قام الخبير بدراسة 201 ملف حادث، مطبقًا المعايير الفنية المعتمدة. وقد أسفرت عملية المراجعة عن استبعاد بعض المطالبات التي سقطت بالتقادم بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، بالإضافة إلى إجراء خصومات فنية تتعلق بالاستهلاك وعدم الإخطار في بعض الحالات.

تقارير الخبراء تحدد صافي المستحقات

خلص تقرير الخبرة الفني إلى أن صافي المبلغ المستحق للشركة المدعية بعد استبعاد المطالبات المتقادمة (بقيمة 9 آلاف درهم) يبلغ 916 ألفًا و706 دراهم. على الجانب الآخر، استندت المحكمة إلى تقرير خبرة سابق أثبت أحقية الشركة الأخرى في مبلغ 805 آلاف و19 درهمًا، معتبرة إياه دينًا ثابتًا ومقابلاً في ذمة الشركة المدعية.

وأكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن النزاع بين الطرفين يندرج تحت طبيعة محاسبية، وأن كل طرف يمتلك حقوقًا متبادلة، مما يستوجب تطبيق مبدأ المقاصة القضائية لتحديد الرصيد النهائي المستحق.

حكم المحكمة النهائي وتداعياته

بناءً على التقارير الفنية والمقاصة بين المبالغ المستحقة لكل طرف، توصلت المحكمة إلى أن الرصيد النهائي المستحق لمصلحة الشركة المدعية هو 111 ألفًا و687 درهمًا. وعليه، ألزمت المحكمة الشركة المدعى عليها بسداد هذا المبلغ. في المقابل، رفضت المحكمة طلب التعويض البالغ 50 ألف درهم، موضحة أن تأخر السداد في مثل هذه النزاعات المحاسبية لا يُعد خطأً يستوجب التعويض، خاصة في ظل وجود ديون متبادلة ونزاع جدي حول قيمة المستحقات.

كما رفضت المحكمة إلزام المدعى عليها بمصروفات دعوى سابقة لإثبات الحالة، مشيرة إلى أن اللجوء إليها كان بقرار من المدعية، وأن نتيجة المقاصة أظهرت أن النزاع لم يكن في مصلحتها بالكامل، مما يضيف بعدًا آخر لقرارات المحكمة في مثل هذه القضايا المعقدة.

في الختام، يؤكد هذا الحكم أهمية الدور الذي تلعبه المقاصة القضائية بين شركتي تأمين في تسوية المنازعات المعقدة التي تنشأ عن آلاف الحوادث والمطالبات. كما يسلط الضوء على ضرورة وجود توثيق دقيق والتزام بالمهل القانونية لضمان حقوق كافة الأطراف في قطاع التأمين.

شاركها.
Exit mobile version