تُظهر قصص الأهالي من ذوي الهمم في دولة الإمارات، مدى حرصهم على استغلال قوة وسائل التواصل الاجتماعي، كي يسلطوا الضوء على مسيرتهم الملهمة. لقد أصبحت هذه المنصات بمثابة نافذة يطلون من خلالها على العالم، كاشفين عن إنجازات أبنائهم الصغار من أبطال التحدي والعزيمة. الهدف الأسمى لهذا الجهد هو نشر الوعي عبر محتوى هادف، يعرض للآخرين “صورة واقعية” من حياتهم اليومية ومواقفهم، ما يسهم بشكل فعال في تصحيح المعتقدات الخاطئة لدى البعض حول إمكاناتهم وقدراتهم الفريدة.

أهمية وسائل التواصل الاجتماعي لذوي الهمم

أكد الأهالي، في لقاءات خاصة مع “الإمارات اليوم”، أن مشاركة خبراتهم وتجاربهم تشكل مرجعاً قيماً. في الواقع، يستفيد من هذا المحتوى بشكل خاص الأهالي الذين تلقوا تشخيص أبنائهم حديثاً، والذين يبحثون عن قصص واقعية تكون بمثابة خريطة طريق نحو التقبل والحصول على الدعم المناسب. كما شددوا على التفاعل الإيجابي الذي يلقونه مع منشوراتهم، والتي يعتبرونها بمثابة “جرعات إيجابية” ورسائل صادقة تخرج من القلب لتصل إلى القلب. هذه المنصات أصبحت جسراً للتواصل والدعم، وهي تعزز دور التوعية المجتمعية في قبول واندماج ذوي الهمم.

قصص ملهمة من أمهات رائدات

تعددت القصص الملهمة التي شاركها الأهالي، لتؤكد على هذا الدور الحيوي لوسائل التواصل الاجتماعي. من هؤلاء، عائشة عبدالرحمن آل علي، والدة الطفلة فاطمة علي الحوسني، التي تعاني من ضمور في المخيخ وتأخر في النطق. ذكرت عائشة أن دافعها الأول لمشاركة تجربة ابنتها على المنصات الرقمية كان تنبيه الأهالي، كي لا يتأخروا في البحث عن مساعدة المختصين عند ملاحظة أي شك في تطور أطفالهم. وجدت عائشة فراغاً في المحتوى العربي بخصوص تجارب ذوي الهمم، فقررت أن تكون المبادر بمشاركة يوميات فاطمة البسيطة والعفوية، كالأنشطة اليومية في المنزل والمدرسة والعلاج، وحتى نوبات الغضب والمواقف العائلية، مع ذكر المصادر المتخصصة التي ساعدت في رحلة فاطمة. هذه المشاركات، حتى لو كانت مجرد كلمة جديدة تنطقها فاطمة، تلقى تفاعلاً إيجابياً واسعاً ودعوات صادقة من المتابعين.

تغيير المعتقدات الخاطئة وتعزيز الاندماج

لم تقتصر هذه المبادرات على الدعم الفردي، بل امتد تأثيرها ليشمل المجتمع ككل. فقصة فاطمة مثلاً، ساعدت أمهات أخريات على اكتشاف حالات أطفالهن مبكراً، ووجهت عشرات الأطفال نحو أفضل المعالجين والمراكز المتخصصة. كما شجعت الأمهات على الخروج مع أطفالهن من ذوي الهمم، متخطيات مخاوفهن المجتمعية. هذا الحراك يبرز الدور المحوري الذي تلعبه هذه القصص في تعزيز الدمج المجتمعي. مريم المهيري، على سبيل المثال، شاركت قصة أختها سلمى من ذوي متلازمة داون، بهدف إيصال صورة واقعية عن إمكاناتهم وقدراتهم على التعلم والعيش حياة طبيعية عند حصولهم على الدعم المناسب، وتحدي المعتقدات الخاطئة. هي ترى أن الهدف الأسمى هو توعية الآخرين بتقبل اختلافات الأطفال وتوعية الأهالي بحقوقهم وكيفية التعامل معهم بشكل أنسب، مع التركيز على أهمية تطبيقات دمج ذوي الهمم.

من جهته، يحرص أحمد عبدالله الملا، أخو الطفلة آمنة من ذوي متلازمة داون، على نشر مقاطع من حياتهم اليومية، مركزاً على لحظات التحديات والإنجازات الصغيرة ومواقف عفوية بين الإخوة. هدفه الأساسي هو التوعية باحتياجات ذوي الهمم وكيفية التعامل معهم بشكل صحيح، وكسر الصورة النمطية السلبية. يؤكد الملا أن هذه التجارب الفردية تتحول إلى مصدر إلهام ودعم للآخرين، وتساعدهم في رحلة تقبل أطفالهم.

رحلة التقبل والدعم النفسي

توثق إسراء الجامع، والدة الطفلة دانة الكعبي المصابة بمتلازمة “كورنيلا دي لانج”، رحلة ابنتها ومراحل تطورها وعلاجها، حيث بدأت هذه المسيرة بدافع الخوف الذي راودها عند تلقي التشخيص. تسعى إسراء لأن يكون حسابها مرجعاً مفيداً للأهالي الذين تلقوا تشخيصاً حديثاً، وتشجيعهم في رحلة “التقبل” واكتشاف الخدمات المناسبة. يختلط في محتواها القصص اليومية بالتجارب الشخصية والمعلومات الطبية والتربوية، مع الحفاظ على خصوصية ابنتها. وتتمثل رؤيتها في نقل رسالة أمل لأسر ذوي الهمم، وإبراز الدعم الذي توفره الجهات المعنية في دولة الإمارات، وخاصة في المجال الصحي.

وسائل التواصل الاجتماعي: جرعة إيجابية يومية

تعد وسائل التواصل الاجتماعي منبراً لتقديم الدعم النفسي والمعنوي. مريم المزروعي، والدة فاطمة المزروعي التي تعرضت لشلل دماغي وفقدان البصر نتيجة حادث مروري، وجدت صعوبة في العثور على حسابات تقدم الإرشاد المناسب لحالة ابنتها. لذا، قررت هي وزوجها مشاركة قصة فاطمة لتكون سنداً وعوناً لكل أم تمر بتجربة مشابهة. بدأ محتواها بنشر يوميات فاطمة وتفاصيل رحلة العلاج، ولاحظت تفاعلاً إيجابياً دفعها لتخصيص منشورات بعنوان “جرعة إيجابية”، تحمل رسائل داعمة تصل من القلب إلى القلب. أظهرت هذه المشاركات وعياً كبيراً في المجتمع، حيث أدت إلى تشجيع أهالٍ كانوا يمتنعون عن تقديم جلسات العلاج الطبيعي لأبنائهم على البدء بها، محققين استفادة كبيرة.

خاتمة

في الختام، لا شك أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت أداة لا غنى عنها لأهالي ذوي الهمم في دولة الإمارات، ليس فقط لتبادل الخبرات والدعم، بل أيضاً لتكون محفلاً حقيقياً لتعزيز التوعية المجتمعية وتصحيح المفاهيم الخاطئة. هذه المنصات تسمح لهم بعرض الوجه الحقيقي لقدرات وإنجازات أبنائهم، وتساهم في بناء مجتمع أكثر تفهماً واندماجاً، حيث يرى الجميع في كل طفل بطلاً من أبطال التحدي والعزيمة. إنها رحلة مستمرة نحو التقبل والانفتاح، تجعل من كل قصة لمحة أمل ومصدر إلهام.

شاركها.
Exit mobile version