لطالما كان الخليج العربي، بشواطئه المتصلة وثقافاته المتنوعة، شاهداً على تاريخ طويل من التعاون والتفاعل البشري. تأتي تصريحات المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، الدكتور أنور بن محمد قرقاش، لتسلط الضوء على هذا التاريخ العريق وتناقضاته الراهنة. فلقد وصف السواحل الشمالية للخليج العربي بأنها كانت يوماً ما مساحة رحبة للتواصل والازدهار بين الشعوب، حيث تعايش العرب، واللور، والفرس، والبلوش، في نسيج اجتماعي وثقافي غني، ارتبطت فيه فرص العيش الكريم بازدهار دول الخليج العربية.
تحولات السواحل الشمالية للخليج العربي: من الجسر إلى العدوان
يشير الدكتور أنور قرقاش في تصريحاته إلى تحول دراماتيكي في دور السواحل الشمالية للخليج العربي. فبعد أن كانت هذه المناطق جسراً للتقارب والتنمية، شهدت تحولاً مؤسفاً. لقد أصبحت، وفقاً لتصريحاته، منصة للعدوان على الجيران بدلاً من أن تكون مركزاً للتبادل والتعاون البناء. هذا التحول يعكس سياسات معينة أدت إلى توترات إقليمية وخسارة فرص كبيرة للتعاون الاقتصادي والإنساني الذي كان يمكن أن يعود بالنفع على الجميع.
لطالما مثّلت السواحل الواقعة على الطرف الآخر من الخليج موطناً ومصدراً للرزق لملايين البشر، حيث تبادلت البضائع والأفكار والثقافات بحرية نسبية. لكن التغيرات الجيوسياسية قلبت هذا المشهد رأساً على عقب، محولة ما كان يوماً عاملاً موحداً إلى نقطة خلاف وتوترات. يؤثر هذا التحول سلباً على الحياة اليومية للمقيمين في هذه المناطق، كما يلقي بظلاله على الأمن والاستقرار الإقليمي بشكل عام.
نموذج التعايش الإماراتي: كرم الضيافة وسيادة القانون
في سياق مقارن، يأتي بيان وزارة الخارجية الإماراتية ليؤكد على نهج مختلف تماماً تتبناه دولة الإمارات. يشير الدكتور قرقاش في تعقيبه إلى أن الإمارات تحتضن جالية إيرانية كبيرة، تحظى بكل احترام وتقدير. هذا التباين يسلط الضوء على كيفية أن الدول يمكن أن تتبنى مسارات مختلفة في التعامل مع الجاليات الأجنبية، ومدى انعكاس ذلك على استقرارها وتقدمها.
تستند التجربة الإماراتية في هذا الصدد إلى مبادئ التسامح واحترام سيادة القانون، وهما ركيزتان أساسيتان لتحقيق التعايش السلمي والازدهار المشترك. إن نموذج الإمارات يُظهر أن التنوع الثقافي والديني يمكن أن يكون مصدر قوة ونمو، وليس سبباً للنزاع أو التوتر. هذا الجو الإيجابي يعزز من فرص اندماج الجاليات الأجنبية ويجعلها جزءاً فاعلاً في نسيج المجتمع.
الجالية الإيرانية في الإمارات: مثال للاندماج الحضاري
تحظى الجالية الإيرانية في الإمارات بتاريخ طويل من الوجود والاندماج في المجتمع الإماراتي. لقد ساهمت هذه الجالية في مختلف القطاعات الاقتصادية والثقافية، مما يعكس مرونة المجتمع الإماراتي وقدرته على استيعاب الثقافات المختلفة. هذا الاندماج لم يكن ليتحقق لولا وجود بيئة قائمة على الاحترام المتبادل وتطبيق القانون بشكل عادل على الجميع، بغض النظر عن انتمائاتهم. تجسد هذه التجربة التزام الإمارات بترسيخ قيم التعايش والتسامح.
الفارق الجوهري: البناء مقابل الهدم
يختتم الدكتور أنور قرقاش تصريحاته بمقارنة فلسفية عميقة تلخص الفارق الجوهري بين نهجين متناقضين. يقول: “وهنا يتجلى الفارق: بين عقلٍ يبني الحياة… وآخر لا يرى إلا في الهدم طريقًا”. هذه العبارة توجز الفلسفة الكامنة وراء السياسات المختلفة للدول في المنطقة. هناك عقلية تركز على البناء، وتنمية العلاقات، وتعزيز الروابط الإنسانية والاقتصادية، مما يؤدي إلى الازدهار والسلام. وعلى النقيض، هناك عقلية أخرى تتسم بالرؤية الضيقة التي لا ترى سبيلاً لاثبات الذات سوى عبر “الهدم”.
إن هذا التباين في النهج لا يؤثر فقط على سياسات الدول الخارجية، بل ينعكس أيضاً داخلياً على مجتمعاتها. الدول التي تتبنى عقلية البناء تسعى إلى تحقيق الرفاهية لمواطنيها وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار والعيش الكريم. أما الدول التي ترجح الهدم، غالباً ما تعاني من تدهور داخلي وتوترات مستمرة، تؤثر سلباً على مواطنيها وعلى استقرار جيرانها. يسلط هذا التحليل الضوء على ضرورة اختيار الطريق الذي يؤدي إلى النمو والازدهار بدلاً من الصراعات.
في الختام، تعكس كلمات الدكتور أنور قرقاش رؤية استراتيجية للوضع الإقليمي، مؤكداً على أهمية التعاون والبناء بدلاً من التوتر والعداء. إن تاريخ السواحل الشمالية للخليج العربي الغني بالتواصل والازدهار يذكرنا بالإمكانيات الكامنة في هذه المنطقة، وكيف أن السياسات التي تركز على التسامح وسيادة القانون يمكن أن ترسخ دعائم الاستقرار والتقدم للجميع. الحاجة ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى عقول تبني وتجمع، مستلهمة من تاريخ طويل من التعايش، بدلاً من تلك التي تسعى إلى تفريق وتهديم.


