في قلب دبي، شهدت محكمة الجنح قصة مؤثرة لمراهق خليجي يبلغ من العمر 16 عامًا، حيث مُنح فرصة ثانية بعد تورطه في سرقة ليلية. لم تقتصر القضية على تطبيق القانون، بل تجسدت فيها رؤية إصلاحية تهدف إلى إعادة تأهيل الحدث ودمجه في المجتمع. هذه القصة تسلط الضوء على أهمية التعامل مع قضايا الأحداث بطريقة توازن بين المساءلة والإصلاح، وتؤكد على دور النظام القضائي في منح الشباب فرصة لتصحيح مسارهم.

تفاصيل القضية: سرقة ليلية ومسؤولية قانونية

تعود تفاصيل القضية إلى شهر مايو الماضي، حين تلقت شرطة القصيص بلاغًا عن سرقة مبلغ 1800 درهم. التحقيقات الأولية كشفت عن تورط حدث يبلغ من العمر 16 عامًا، بالاشتراك مع شخص آخر لا يزال هاربًا. تم إحالة القضية إلى النيابة العامة التي وجهت للمتهم تهمة السرقة، مطالبة بتطبيق مواد قانون الجرائم والعقوبات، بالإضافة إلى أحكام قانون الأحداث الجانحين والمعرضين للجنوح.

دور النيابة العامة في حماية حقوق المجني عليه

حرصت النيابة العامة على تمثيل حقوق المجني عليه بشكل كامل، وتقديم الأدلة التي تثبت تورط الحدث في الواقعة. ومع ذلك، لم تغفل النيابة العامة عن الأخذ بعين الاعتبار سن المتهم وظروفه، وهو ما انعكس في مطالبتها بتطبيق قانون الأحداث الذي يركز على الإصلاح والتأهيل.

حكم المحكمة: الاختبار القضائي كفرصة للإصلاح

بعد دراسة القضية وملف المتهم، أصدرت محكمة الجنح حكمًا بمعاقبة الحدث بوضعه تحت تدبير الاختبار القضائي. هذا الحكم لم يكن مجرد عقوبة، بل كان بمثابة فرصة ثانية للمراهق لإثبات قدرته على تغيير سلوكه والالتزام بالقانون. يعكس هذا القرار فلسفة المشرّع الإماراتي في التعامل مع الأحداث، والتي تركز على الإصلاح والتقويم بدلاً من مجرد العقاب.

برنامج المتابعة النفسية والاجتماعية

خضع الحدث لبرنامج متابعة نفسية واجتماعية مكثف، بإشراف فريق من المختصين. هدف البرنامج إلى تقويم السلوكيات الجانحة، وتعزيز الوعي القانوني، وإعادة دمج الحدث في محيطه الأسري والاجتماعي. شمل البرنامج جلسات علاج نفسي فردية وجماعية، بالإضافة إلى أنشطة اجتماعية تهدف إلى تعزيز الثقة بالنفس وتنمية المهارات الاجتماعية.

تقارير إيجابية ونتائج ملموسة

على مدار فترة المتابعة، التي امتدت من يونيو 2024 وحتى أغسطس 2025، قدم الأخصائي النفسي الرئيسي تقارير دورية إلى المحكمة. خلصت هذه التقارير إلى نتائج إيجابية وحاسمة، حيث أظهرت استقرار سلوكيات الحدث وشخصيته، وزيادة وعيه بأهمية الالتزام بالقانون. كما أشارت التقارير إلى أن القضية نفسها لعبت دورًا فارقًا في حياة الحدث، حيث أصبح أكثر قربًا من أسرته وأكثر تقبلاً للنصح والإرشاد.

تحول إيجابي في سلوك الحدث

أظهر الحدث تحولًا إيجابيًا ملحوظًا في سلوكه، حيث أصبح أكثر مسؤولية والتزامًا بقواعد السلوك الاجتماعي. كما أظهر رغبة صادقة في التعويض عن أخطائه والمساهمة في المجتمع. هذا التحول الإيجابي كان نتيجة مباشرة للبرنامج العلاجي والمتابعة المستمرة من قبل المختصين.

جلسة المحاكمة الأخيرة: اعتراف بالمسؤولية وطلب إنهاء التدبير

خلال جلسة المحاكمة الأخيرة، مثل الحدث بشخصه أمام المحكمة، بحضور أخصائي اجتماعي من النيابة العامة. أقر الحدث بما نُسب إليه، في مشهد حمل دلالة على تحمله للمسؤولية وليس مجرد الامتثال الإجرائي. بناءً على التقارير الإيجابية واستقرار سلوك الحدث، طلبت النيابة العامة من المحكمة إنهاء تدبير الاختبار القضائي.

قرار المحكمة: إنهاء التدبير ومنح فرصة للمستقبل

وافقت المحكمة على طلب النيابة العامة، وأصدرت قرارًا بإنهاء تدبير الاختبار القضائي بحق الحدث. استندت المحكمة في قرارها إلى نص المادة 30 من قانون الأحداث الجانحين والمعرضين للجنوح، التي تمنحها سلطة تعديل التدابير أو وقفها أو إنهائها، متى رأت من التقارير والسلوك ما يبرر ذلك. أكدت المحكمة أن الإبقاء على التدبير لم يعد مبررًا، بل قد يأتي بنتائج عكسية على مستقبل الحدث.

أهمية إعادة التأهيل في قضايا الأحداث

تُظهر هذه القضية أهمية إعادة التأهيل في قضايا الأحداث، وضرورة منح الشباب فرصة لتصحيح مسارهم. إن التركيز على الإصلاح والتأهيل بدلاً من مجرد العقاب يمكن أن يساعد في منع تكرار الجريمة وتحقيق العدالة الاجتماعية. كما أن دعم الأسر والمجتمع يلعب دورًا حاسمًا في إعادة دمج الأحداث في المجتمع. هذه القصة هي مثال حي على كيف يمكن للنظام القضائي أن يكون أداة فعالة للتغيير الإيجابي في حياة الشباب، وتقديم الدعم اللازم لهم لبناء مستقبل أفضل. قضايا الأحداث تتطلب تعاملاً خاصاً يراعي ظروفهم النفسية والاجتماعية.

شاركها.
Exit mobile version