تصاعد الخلاف الأمريكي الإسرائيلي حول خطة غزة: نتنياهو يعترض وواشنطن تتمسك بموقفها
يشهد الملف الفلسطيني، وتحديداً قطاع غزة، تطورات متسارعة وتصاعداً ملحوظاً في الخلافات بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. هذا الخلاف يتمحور حول المضي قدماً في ما يُعرف بـ “المرحلة الثانية” من خطة السلام لغزة، والتي تثير اعتراضات تل أبيب بشكل واضح، خاصة فيما يتعلق بآليات التنفيذ وتركيبة الهيئات المشرفة على الخطة. الوضع الحالي يضع العملية السلمية برمتها على مفترق طرق، ويطرح تساؤلات حول مستقبل القطاع والعلاقة بين الحليفين الاستراتيجيين.
بيان نتنياهو الغاضب وتشكيلة المجلس التنفيذي لغزة
بدأت ملامح التوتر تتضح بعد إصدار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بيانًا حاد اللهجة، أعرب فيه عن معارضته الشديدة لتشكيل المجلس التنفيذي لغزة الذي أعلن البيت الأبيض عن تعيينه مؤخرًا. الاعتراض الإسرائيلي لم يكن على فكرة المجلس بحد ذاتها، بل على تضمينه شخصيات تعتبرها إسرائيل معادية لمصالحها أو غير مؤهلة للعب دور في إدارة القطاع.
أبرز ما أثار استياء نتنياهو هو وجود ممثلين عن تركيا وقطر في هذا المجلس. فقد رفضت تل أبيب بشكل قاطع منح أنقرة والدوحة أي دور قيادي أو مؤثر في مستقبل غزة، معتبرةً أن هاتين الدولتين تدعمان حماس وتتبنيان مواقف معادية لإسرائيل.
وفي البيان، أكد نتنياهو أن الإعلان عن تشكيل المجلس “لم يتم التنسيق بشأنه مع إسرائيل ويتعارض مع سياستها”، مشيرًا إلى أنه وجّه وزير خارجيته، إسرائيل كاتس، لإثارة هذه المسألة بشكل مباشر مع نظيره الأمريكي، أنتوني بلينكن. هذا التصعيد اللفظي يعكس عمق الهوة المتزايدة بين الطرفين.
رد فعل الإدارة الأمريكية: “خطة غزة” مستمرة رغم الاعتراضات
على الرغم من اللهجة الحادة لنتنياهو، يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تولي اعتراضاته اهتمامًا كبيرًا، بل تتمسك بخطتها للمضي قدمًا في “المرحلة الثانية” من خطة السلام. فقد نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أمريكي رفيع المستوى قوله إن مستشاري الرئيس ترامب “لا يبدون صبرًا يُذكر تجاه تحفظات نتنياهو”.
وأضاف المسؤول: “هذا عرضنا، وليس عرضه. تمكنا من تحقيق أمور في غزة خلال الأشهر الماضية، لم يكن أحد يعتقد أنها ممكنة، وسنواصل التحرك”. هذا التصريح يؤكد أن واشنطن تعتبر نفسها صاحبة المبادرة في ملف غزة، وأنها لن تسمح لأي طرف، بما في ذلك إسرائيل، بإعاقة تنفيذ خططها.
التركيز على الأولويات الأمريكية
وكشف المسؤول الأمريكي عن سبب عدم استشارة نتنياهو في تشكيل المجلس التنفيذي، قائلاً: “نتنياهو لا رأي له في هذا الأمر”. وأوضح أن الإدارة الأمريكية ترى أن على نتنياهو أن يركز على التهديدات الإيرانية، بينما ستتولى واشنطن مسؤولية التعامل مع ملف غزة.
هذا التقسيم للأدوار يعكس قناعة أمريكية بأن إسرائيل غير قادرة على حل مشكلة غزة بمفردها، وأن تدخلًا دوليًا، حتى لو كان غير مرغوب فيه من قبل تل أبيب، ضروري لتحقيق الاستقرار في القطاع.
التهديد الضمني: إما التوافق أو العودة إلى الصراع
الرسالة التي وجهتها الإدارة الأمريكية لنتنياهو كانت واضحة: إما التوافق مع البرنامج الأمريكي، أو إعادة إدخال القوات الإسرائيلية إلى القتال في غزة. فقد أكد المسؤول الأمريكي أن نتنياهو، ما لم يرغب في إعادة إشعال الصراع، سيضطر إلى قبول الخطة الأمريكية.
وبحسب نفس المسؤول، فإن نتنياهو، على الرغم من تشككه العلني، “معجب بمضمون الخطة الأمريكية”، معترفًا بأنها حققت بعض التقدم على الأرض. وأضاف: “لم يكن أحد في إسرائيل يعتقد أننا سنصل إلى هذه المرحلة، لكننا نجحنا”.
هذا التصريح يشير إلى أن نتنياهو يدرك أن الخطة الأمريكية قد تكون أفضل خيار متاح، على الرغم من اعتراضاته على بعض جوانبها. ومع ذلك، فإن موقفه المتصلب قد يعرض العملية السلمية برمتها للخطر.
مستقبل خطة غزة والعلاقات الأمريكية الإسرائيلية
إن خطة غزة التي تتبناها الإدارة الأمريكية تمثل تحديًا كبيرًا للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية. فالخلاف حول تشكيل المجلس التنفيذي ليس سوى عرضًا لتوترات أعمق تتعلق برؤية الطرفين لمستقبل المنطقة.
من المرجح أن يستمر هذا الخلاف في التصاعد خلال الفترة القادمة، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية. فقد يسعى نتنياهو إلى استغلال هذا الخلاف لصالحه، من خلال محاولة التأثير على الرأي العام الأمريكي وتصوير الإدارة الأمريكية على أنها غير ملتزمة بأمن إسرائيل.
السيناريوهات المحتملة
هناك عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الوضع في غزة:
- التوصل إلى حل وسط: قد يتمكن الطرفان الأمريكي والإسرائيلي من التوصل إلى حل وسط يرضي الطرفين، من خلال إجراء بعض التعديلات على تشكيلة المجلس التنفيذي أو آليات التنفيذ.
- استمرار الخلاف وتدهور الأوضاع: قد يستمر الخلاف ويتصاعد، مما يؤدي إلى تدهور الأوضاع في غزة وزيادة خطر اندلاع صراع جديد.
- تجميد الخطة: قد تقرر الإدارة الأمريكية تجميد الخطة مؤقتًا، في محاولة لتهدئة الأوضاع وإعادة بناء الثقة مع إسرائيل.
بغض النظر عن السيناريو الذي سيتحقق، فإن مستقبل القطاع سيكون حاسمًا بالنسبة لأمن واستقرار المنطقة بأسرها. ومن الضروري أن يعمل جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك إسرائيل والفلسطينيون والمجتمع الدولي، على إيجاد حل سلمي ومستدام لهذه القضية المعقدة. الوضع الإنساني في غزة يتطلب أيضًا اهتمامًا فوريًا، حيث يعاني السكان من ظروف معيشية صعبة للغاية. الاستمرار في تجاهل هذه القضية لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأوضاع وزيادة خطر العنف.
كلمات مفتاحية ذات صلة:
- الوضع الإنساني في غزة
- الانتخابات الأمريكية وتأثيرها على الشرق الأوسط
- العلاقات الأمريكية الإسرائيلية


