يواجه لبنان اليوم فصلاً كارثياً يتجاوز مفاهيم الحروب التقليدية، حيث لم يعد النزيف مقتصرًا على الأرواح، بل امتد ليشمل “إبادة بيئية” ممنهجة تضرب جذور الحياة. ومع متابعة أخبار العدوان الإسرائيلي، نجد أننا أمام استراتيجية “الأرض المحروقة” التي لا تفرق بين بشر أو حيوان أو نبات؛ فالمهمة الواضحة هي محو أي أثر للحياة وجعل الأرض غير قابلة للسكن لعقود قادمة.
إبادة خضراء: حين يصبح الشجر “عدواً”
كشف التقرير اللبناني الرسمي الأخير عن حجم “التوحش” الذي طال البيئة، حيث تُصر إسرائيل على أن الدمار يجب أن يكون شاملاً. لم تكتفِ الآلة العسكرية بهدم المنازل، بل شنت حرباً على الطبيعة، وكأن الأشجار والموائل هي أهداف عسكرية بحد ذاتها.
- اقتلاع الهوية: تدمير أكثر من 5 آلاف هكتار من الغابات وتحويل مراكز التنوع البيولوجي إلى رماد.
- حرق الأرزاق: خسائر زراعية تجاوزت 700 مليون دولار، مع استهداف ممنهج لبساتين الزيتون المعمرة والحمضيات، في محاولة لقطع صلة الإنسان بأرضه وتدمير أمنه الغذائي للأبد.
صحوة ضمير متأخرة أم “مسرحية” أخلاقية؟
وفي مشهد يثير السخرية المريرة، وبينما تستمر آلة القتل في حصد الأخضر واليابس، خرج رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير ليوبخ قادته على “مشكلات انضباط خطيرة”. فجأة، تذكرت القيادة الإسرائيلية أن هناك ما يسمى “قيم الجيش”، وكأن إبادة غزة وتحويلها إلى ركام لم تكن كافية لتخدش هذه القيم المزعومة!
يبدو أن شعار “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم” يحتاج إلى تحديث؛ فبعد أن أبادوا البشر في غزة، استيقظوا الآن ليصفوا نهب المنازل في لبنان بـ “وصمة العار”. هل يعتقدون حقاً أن تحطيم تمثال للمسيح في قرية “دبل” بمطرقة ثقيلة، أو تفخيخ أحياء كاملة ونسفها، هو مجرد “فقدان انضباط”؟ إنها سياسة ممنهجة لمحو الحضارة والتراث، وما هذه التصريحات إلا محاولة بائسة لتسويق صورة أخلاقية زائفة أمام المجتمع الدولي، بينما الواقع على الأرض يصرخ بالوحشية التي لم توفر حجرًا ولا شجرًا.
حسابات السياسة وتخبط “القيصر”
بينما يتباكى القادة العسكريون على “القيم”، نجد أن أخبار نتنياهو تتصدر المشهد السياسي المتأزم. فالحرب التي أرادها نتنياهو نصراً ساحقاً، تحولت إلى استنزاف داخلي أدى إلى تآكل شعبيته وغضب سكان الشمال الذين فقدوا الثقة في وعوده.
- فشل الأهداف العسكرية: رغم سياسة الأرض المحروقة، تعترف المحافل الإسرائيلية بأن الأهداف الكبرى لم تتحقق، وأن “النصر الحاسم” لا يزال مجرد سراب.
- صراع الكراسي: استطلاعات الرأي تظهر تشتت المعسكرات الإسرائيلية؛ فتحالف لبيد وبينيت ينمو لكنه لا يضمن الأغلبية، بينما يبقى نتنياهو متمسكاً بالسلطة كطوق نجاة وحيد له من المحاسبة القضائية.
- الضغط الأمريكي: الترقب لسياسات إدارة ترمب يفرض ضغوطاً إضافية، حيث بدأت الشكوك تساور الإسرائيليين حول مدى توافق مصالح “البيت الأبيض” مع طموحات نتنياهو التوسعية.
لبنان بين مطرقة العدوان وسندان الانقسام
في بيروت، يزداد الشرخ الداخلي اتساعاً؛ فالرئيس جوزاف عون واجه “حزب الله” بوضوح، معتبراً أن جر البلاد إلى “حرب إسناد” دون إجماع وطني هو تضحية بلبنان من أجل مصالح إقليمية. هذا الانقسام يضع الدولة في موقف ضعيف أمام التفاوض، بينما تستمر إسرائيل في خرق الهدنة الهشة عبر عمليات تجريف القرى ونسف البيوت، وكأنها تسابق الزمن لفرض واقع جغرافي جديد.
فاتورة الدمار والتعافي المستحيل
قُدرت تكلفة الدمار بنحو 25 مليار دولار، لكن الحقيقة أن “الإبادة البيئية” لا تُقدر بثمن. فكيف يمكن تعويض تربة تسممت بالفوسفور، أو أشجار زيتون كانت شاهدة على قرون من التاريخ؟ إن إعادة الإعمار ليست مجرد أسمنت وحجر، بل هي معركة لاستعادة الحياة في أرض أُريد لها أن تصبح صحراء خالية.
في النهاية
لقد أثبتت الأحداث أن إسرائيل لا تكتفي بقتل البشر، بل تمارس “إرهاباً بيئياً” يستهدف الوجود الحيوي للمنطقة. وما أحاديث “القيم العسكرية” والاعتراض على النهب إلا ذر للرماد في العيون لتغطية سياسة الأرض المحروقة. إن المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل سيستمر في الصمت أمام محو حضارة وبيئة كاملة، أم سيدرك أخيراً أن هذه “الأخلاقيات” المزعومة ليست سوى غطاء لأبشع أنواع الإبادة الشاملة؟

