أثارت صورة حديثة جدلاً واسعاً في تركيا، حيث ظهر المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا، توم باراك، في مشهد أثار تساؤلات حول البروتوكول الدبلوماسي واحترام السيادة. الصورة، التي التقطت خلال اجتماع مع وزير الدفاع التركي يشار غولر، أظهرت باراك جالساً في المقعد المركزي، بينما جلس المسؤولون الأتراك، بمن فيهم رئيس الأركان، على جانبيه. هذا الترتيب أثار اتهامات بالهيمنة والاستعمار، وأثار نقاشاً حاداً حول الأعراف الدبلوماسية في تركيا.

جدل صورة توم باراك: هل تجاوز البروتوكول الدبلوماسي؟

الصورة التي نشرتها وزارة الدفاع التركية أصبحت محوراً للانتقادات على نطاق واسع، خاصةً على وسائل التواصل الاجتماعي. العديد من المعلقين رأوا في ترتيب الجلوس إهانة للسيادة التركية، واعتبروه بمثابة “حاكم استعماري” يتولى زمام الأمور. النائب لطفي تورككان من حزب “إيي” اليميني، عبر عن استيائه على منصة إكس، متسائلاً عما إذا كان باراك سفيراً أم حاكماً استعمارياً، مؤكداً أنه لا يحق لأحد تصوير تركيا في وضعية الضعف. هذا الجدل حول البروتوكول الدبلوماسي يمثل أكثر من مجرد مسألة شكلية، بل يعكس حساسية تجاه العلاقات الدولية وتوازن القوى.

ردود الفعل الرسمية وتفسيرات وزارة الدفاع

في محاولة لتهدئة الغضب، نقلت وسائل الإعلام التركية عن مسؤولين في وزارة الدفاع قولهم إن ترتيب الجلوس لم يكن خاصاً بباراك، وأنه يتم تطبيقه على جميع المسؤولين الزائرين. ومع ذلك، لم يقتنع الكثيرون بهذا التفسير. مراسلون دبلوماسيون مخضرمون أشاروا إلى أن هذا الترتيب غير مألوف على الإطلاق وفقاً للمعايير الدولية. البروتوكول المتبع عادةً يضع المسؤول المضيف في المقعد الرئيسي، بينما يجلس رئيس الوفد الزائر إلى جانبه.

آراء الخبراء والمحللين الدبلوماسيين

الصحافية بارجين يناتش، التي تتمتع بخبرة واسعة في تغطية الدبلوماسية، أكدت أنها لم ترَ مثل هذا البروتوكول في أي مكان في العالم خلال 25 عاماً من عملها. وأضافت أن هذا الترتيب لا ينسجم مع الأعراف الدبلوماسية الراسخة، مشيرة إلى أن الخروج عن هذه الأعراف أصبح أكثر تكراراً في السنوات الأخيرة في تركيا. كما لفتت إلى أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو وقوع هذا الموقف في وزارة الدفاع، وهي مؤسسة معروفة بتشددها في الالتزام بالتسلسل الهرمي والقواعد الرسمية. هذا الأمر يثير تساؤلات حول ما إذا كان هناك تغيير مقصود في ممارسات الاستقبال التركية.

انتقادات من داخل الحكومة والمعارضة

الانتقادات لم تقتصر على المعارضة، بل امتدت إلى داخل صفوف الحكومة نفسها. بولنت أرينتش، رئيس البرلمان السابق وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية الحاكم، وصف الموقف بأنه “زلة بروتوكولية أخرى يصعب تبريرها”. وأكد أن باراك، حتى مع المهام الخاصة التي كُلّف بها من الرئيس ترامب، يظل السفيراً الأمريكي في أنقرة، وبالتالي يجب أن يُعامل بنفس مكانة أي مبعوث أجنبي آخر. وأضاف أن ظهور السفير وهو يقود اجتماعاً مع وزير الدفاع ورؤساء عسكريين لا يتوافق مع بروتوكول الدولة، وإذا أصبح هذا الأمر عرفاً، فيجب مراجعته فوراً.

نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض والسفير السابق لدى واشنطن، نامق تان، اعتبر أن المكلفين بالبروتوكول يجب أن يكونوا على دراية بتقاليد الدولة الراسخة، ما لم يكن هناك نقص في الخبرة المهنية. هذا يشير إلى أن المشكلة قد لا تكمن في النية، بل في الإهمال أو عدم الالتزام بالبروتوكولات المعتادة. الجدل حول السيادة التركية و احترامها يظهر بوضوح في هذه الانتقادات.

تذكير بـ “صوفاغيت” والجدل الدبلوماسي المتكرر

هذا الحادث يذكرنا بجدل مماثل وقع في عام 2021، عندما تركت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين من دون مقعد خلال اجتماع مع الرئيس إردوغان في أنقرة. في ذلك الوقت، جلس رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال على المقعد الوحيد إلى جانب إردوغان، في هفوة عُرفت على نطاق واسع باسم “صوفاغيت”. هذه الحوادث المتكررة تثير تساؤلات حول مدى التزام تركيا بالمعايير الدبلوماسية الدولية، وتأثير ذلك على علاقاتها مع الدول الأخرى.

في الختام، أثارت صورة توم باراك جدلاً واسعاً في تركيا حول البروتوكول الدبلوماسي واحترام السيادة. على الرغم من محاولات وزارة الدفاع لتهدئة الغضب، إلا أن الانتقادات استمرت من داخل الحكومة والمعارضة على حد سواء. هذا الحادث يذكرنا بأهمية الالتزام بالأعراف الدبلوماسية، وتأثيرها على العلاقات الدولية. من الضروري إجراء مراجعة شاملة لممارسات الاستقبال التركية لضمان احترام البروتوكولات المعتادة وتجنب تكرار مثل هذه المواقف في المستقبل. هل ستتخذ الحكومة التركية خطوات لتوضيح موقفها بشأن هذه القضية؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

شاركها.
Exit mobile version