في مشهد يمزج بين الثقافة الشعبية والاحتجاجات الاجتماعية، رفرف جيل زد في المكسيك بعلم القش الذي اشتهر في مسلسل الأنمي الياباني «ون بيس» (One Piece) خلال تظاهرات حديثة. هذا العلم، الذي يمثل بالنسبة لمحبي المسلسل أكثر من مجرد رمز ترفيهي، أصبح تعبيراً عن تطلعاتهم نحو الحرية والعدالة، وهما قيمتان يشعر هذا الجيل بأنهما مهددتان في الواقع المكسيكي المعاصر. التظاهرات، التي شهدتها العاصمة مكسيكو سيتي، أثارت تساؤلات حول طبيعة هذه الحرية التي ينشدها الشباب، وما هي التحديات التي تواجههم في سعيهم لتحقيقها.
تظاهرات جيل زد: بين الأمل وخيبة الأمل
لقد ترددت كلمة “حرية” بقوة في أوساط المتظاهرين، وفي المقابلات التي أجرتها صحيفة “إل بايس” مع عشرة شبان وشابات. لكن هذه الحرية ليست مجرد شعار، بل هي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمتطلبات الحياة الأساسية. بالنسبة لمعظم أبناء جيل زد في المكسيك، تعني الحرية القدرة على الحصول على عمل لائق، وتعليم جيد، ورعاية صحية نفسية، بالإضافة إلى توفير وسائل نقل عام فعالة، وسكن مناسب، والشعور بالأمان. هذه العناصر مجتمعة هي التي تمنحهم الاستقرار والطمأنينة، وهي أمور يرون أنها مفقودة أو مهددة في بلادهم.
مفارقة المشاركة في التظاهرات
على الرغم من استهداف التظاهرات للفئة العمرية الشابة بين 15 و28 عاماً، إلا أن الواقع الميداني كشف عن مفارقة لافتة: معظم المشاركين كانوا فوق سن الثلاثين. هذا الأمر يثير تساؤلات حول مدى قدرة هذه التظاهرات على تمثيل مطالب الشباب المكسيكي الحقيقية، وما إذا كانت هناك فجوة بين الأجيال في فهم هذه المطالب.
التركيبة السكانية لجيل زد في المكسيك
وفقاً لآخر تعداد سكاني في عام 2020، وتوقعات الأمم المتحدة، يبلغ عدد المنتمين إلى جيل زد في المكسيك حوالي 38 مليون شخص، أي ما يقارب ربع إجمالي السكان. هذا العدد الكبير يجعل هذا الجيل قوة ديموغرافية واجتماعية مؤثرة، وقادرة على إحداث تغييرات كبيرة في المجتمع.
المشكلات المشتركة التي تواجه الشباب المكسيكي
على الرغم من اختلاف التجارب الشخصية، يتفق الشباب المكسيكي على قائمة من المشكلات التي تعيق تقدمهم وتحد من طموحاتهم. من أبرز هذه المشكلات:
- هشاشة سوق العمل وصعوبة الحصول على وظائف مستقرة.
- ارتفاع أسعار العقارات واستحالة امتلاك منزل.
- انعدام الأمان وتزايد معدلات العنف في البلاد.
- فقدان الثقة في السياسيين والمؤسسات الحكومية.
هذه المشكلات تخلق حالة من الإحباط واليأس لدى الشباب، وتدفعهم إلى البحث عن بدائل وطرق جديدة للتعبير عن مطالبهم.
التوجهات السياسية والأيديولوجية
تظهر بين شباب المكسيك اختلافات أيديولوجية محدودة. ففي حين يصف المشاركون في التظاهرة الثانية أنفسهم بأنهم يميلون إلى الوسط السياسي، يرى الرافضون لها أن ميولهم أقرب إلى اليسار. ومع ذلك، يؤكد الجميع على عدم انتمائهم لأي حزب سياسي تقليدي، ويعبرون عن استيائهم من الأداء السياسي للأحزاب الحاكمة والمعارضة.
خيبة الأمل من المشهد السياسي
على الرغم من أن معظم هؤلاء الشباب صوتوا للرئيسة كلوديا شينبوم، إلا أنهم يشعرون بخيبة أمل متزايدة تجاه المشهد السياسي بشكل عام. يعتقدون أن الأحزاب السياسية لا تهتم حقاً بمصالحهم، وأنها تسعى فقط إلى الحفاظ على سلطتها ونفوذها. وقد عبر بعضهم عن إحباطهم من خلال إلغاء أصواتهم في الانتخابات الأخيرة، كنوع من الاحتجاج الصامت.
الواقع النفسي المقلق لجيل زد
كشفت المقابلات التي أجرتها صحيفة “إل بايس” عن واقع نفسي مقلق يعيشه الشباب المكسيكي. أفاد تسعة من أصل عشرة شبان بأنهم يعانون من مشاعر القلق أو الاكتئاب. ويعزو هؤلاء الشباب معاناتهم إلى الضغوط النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي يواجهونها في حياتهم اليومية.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
يلعب الشباب دوراً محورياً في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة “تيك توك” و”إنستغرام”، كمنصات للتعبير عن آرائهم ومشاركة تجاربهم. ومع ذلك، يرى البعض أن هذه المنصات قد تساهم في تفاقم المشكلات النفسية، من خلال خلق مقارنات غير واقعية وتعزيز الشعور بالعزلة.
مستقبل غامض
يشعر جيل زد في المكسيك بمستقبل غامض وغير مؤكد. يواجهون تحديات كبيرة في الحصول على عمل، وتحقيق الاستقرار المالي، وبناء حياة كريمة. ومع ذلك، فإنهم لا يستسلمون لليأس، بل يسعون جاهدين لإيجاد حلول لهذه المشكلات، والتعبير عن مطالبهم بطرق جديدة ومبتكرة. إن رفرف علم القش في التظاهرات هو مجرد رمز واحد من رموز هذا السعي الدائم نحو الحرية والعدالة، ومستقبل أفضل.


