في 3 أبريل 2026، ألقى الرئيس دونالد ترامب خطابًا للأمة الأمريكية، تناول فيه تفاصيل حملته المستمرة ضد إيران، مكررًا بذلك كل ما كان قد صرح به على مدار الشهر الماضي من نتائج ومواقف وخطط. هذا الخطاب جاء ليعوض غياب البيت الأبيض عن متابعة الحرب الخارجية عبر المؤتمرات الصحفية، وهو نهج غير مألوف للإدارات السابقة. يبدو أن هذه الإدارة تتجاهل التقاليد الرئاسية، بل وتتجاوز القوانين الداخلية والخارجية متى أمكنها ذلك.
تبريرات ترامب وتجاهله للتقاليد
في خطابه، حاول ترامب تبرير الحرب من خلال ادعائه أنها جاءت لقطع الطريق على سعي إيران لامتلاك السلاح النووي، وأنها جاءت بعد 47 عامًا من العداء الإيراني تجاه أمريكا. لم يتطرق بالطبع إلى تجاهله قرار الكونغرس، وهو الجهة المالكة لقرار الحروب الخارجية، خاصة في غياب تهديد خارجي مباشر للبلاد. كما لم يشر إلى تجاهله المجتمع الدولي أو حرصه على تغطية قرار الحرب بقرار أممي، كما فعل الرؤساء السابقون في حروبهم بالعراق وشرق أوروبا وأفغانستان. كل هذه النقاط أعادت للأذهان تصريحات ترامب المتضاربة التي كان كثير من المراقبين يعتبرها دليلاً على عدم استقرار مواقفه.
نهج الإدارة الفردي وسياسة ترامب الخارجية
يثير نهج ترامب الفردي في إدارة البيت الأبيض وقيادة الولايات المتحدة دون اهتمام واضح بمؤسسات الدولة تساؤلات كثيرة. تصريحاته غالبًا ما تعكس نرجسيته المتضخمة، خاصة عند مقارنة إدارته وشخصه بالرؤساء السابقين، حيث يرى نفسه الأهم والأفضل. يعتمد ترامب بشكل كبير على منصات التواصل الاجتماعي، مثل “تروث سوشيال”، لتقديم وجهات نظره، متجنبًا النقاشات والمؤتمرات الصحفية. هذا النهج ليس بغريب على القادة الذين يميلون إلى الفردية والإفراط في استخدام القوة، حيث يفضلون اتخاذ القرارات بشكل أحادي، ولهذا يحيطون أنفسهم بأشخاص تابعين.
محاولات ترامب لتهدئة الرأي العام والأسواق
مدفوعًا على ما يبدو برغبة حزبه الجمهوري في تحسين التأييد الشعبي لإدارته، حاول ترامب طمأنة الجمهور الأمريكي بأن الحرب تقترب من نهايتها بعد تحقيق معظم أهدافها. ومع ذلك، لا يبدو أن ترامب مهتم باستطلاعات الرأي خلال ولايته الثانية، خاصة وأنه ليس مقدمًا على خوض انتخابات رئاسية ثالثة، كما أنه لم يكن دائمًا جزءًا من الحزب الجمهوري. هذا يفسر درجة المغامرة العالية لديه، حيث يتصرف كرجل أعمال أكثر منه كسياسي خبير في التعاملات الدبلوماسية.
التضارب المقصود في تصريحات ترامب
يعتبر الكثير من المراقبين مواقف وتصريحات ترامب بشأن حربه ضد إيران متضاربة، لدرجة أن بعض الصحفيين وصفوه بأنه “مختل عقليًا”. لكن من منظور آخر، يمكن اعتبار هذا التضارب تكتيكًا مقصودًا لتضليل الخصم وتقليل تأثير إنجازاته الميدانية. إن تجنبه المؤتمرات الصحفية التي تتطلب حوارًا ونقاشًا، والذي لا يتقنه ترامب، يعزز هذا التكتيك. فترامب غالبًا ما دخل في مساجلات غير ودية مع الصحفيين، بل يعتبر الصحافة الأمريكية في معظمها معادية، ويصف بعضها بأبواق إيرانية.
التهديدات كأداة تكتيكية والوعود المتناقضة
تذهب تهديدات ترامب في سياق حربه ضد إيران بشكل أساسي نحو تخويف الجانب الإيراني، وقد سبقت هذه التهديدات الحرب وما زالت ترافقها بشكل يومي. لم تقتصر هذه التهديدات على إيران، بل امتدت لتشمل غزة واليمن، وكذلك دولًا مثل بنما وكندا، وصولًا إلى أوكرانيا وغرينلاند وكوبا. وقد بدأ عهده بإطلاق حملة التعريفات الجمركية اعتقادًا منه بأنها ستعيد فرض النظام الأمريكي على العالم، لكن دون جدوى. وباتت معظم هذه التهديدات كـ “بالونات هوائية” بلا قيمة أو تأثير فعلي.
مستقبل الصراع وتداعياته العالمية
الادعاءات التي يطلقها ترامب حول تشدد القادة الإيرانيين وتوسلهم لوقف الحرب، هي محاولة للتأثير سلبًا على الأداء العسكري الميداني الإيراني وإحداث بلبلة في صفوف الحرس الثوري والجيش. كما أنها تهدف إلى تهدئة سوق الطاقة وتشجيع الأوروبيين والخليجيين للانضمام إليه في حربه، على الأقل عند الانتقال من ميدان القتال إلى طاولة التفاوض.
يبدو أن الحرب التي أرادها ترامب ونتنياهو خاطفة أو قصيرة الأمد، لا تزال بعيدة عن التوقف، ولا يوجد ما يلوح في الأفق يشير إلى احتمال وقف إطلاق النار. إن استراتيجية ترامب بفرض السلام بالقوة لا تسير على ما يرام. هذا الصراع يحمل في طياته مخاطر كبرى على مكانة أمريكا العالمية، ويؤدي إلى انهيار اقتصادي عالمي قد يطال الخليج وإيران الجزء الأكبر منه، ثم أوروبا وأمريكا، في حين قد تزداد قوة الصين وروسيا.
الحرب ضد إيران واستراتيجية ترامب
تجاهل ترامب للأمم المتحدة والقوانين الدولية في حربه ضد إيران قد يؤدي إلى سباق تسلح عالمي وحروب إقليمية عديدة في أنحاء متفرقة من العالم. لن تكون هذه الحرب هي الأخيرة في الشرق الأوسط، إذ ستخرج دول المنطقة والعالم بدروس مفادها أن الحماية لم تعد مضمونة بالقانون الدولي أو العلاقات الدولية. لم تحمِ المعاهدات والاتفاقيات إسرائيل في حمى التنافس الإقليمي والعالمي، كما لم تحمِ القواعد العسكرية الأمريكية دول الخليج من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.


