في منتصف ديسمبر، شهدت طوكيو حدثاً تاريخياً باستضافتها أول قمة للحوار بين قادة آسيا الوسطى واليابان، بمشاركة رؤساء الدول الخمس في المنطقة: كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان. هذه القمة لم تكن مجرد اجتماع دبلوماسي، بل علامة فارقة تعكس تحولاً استراتيجياً في علاقات اليابان مع آسيا الوسطى، وتحديداً في سياق البحث عن الأمن الاقتصادي وتعزيز التعاون في مجالات حيوية.
قمة طوكيو: نقطة تحول في العلاقات اليابانية الآسيوية الوسطى
على مدار سنوات، حافظت اليابان على حوار مستمر مع دول آسيا الوسطى بدأ عام 2004، لكنه ظل في الغالب على مستوى وزراء الخارجية ويركز على الجوانب التقنية. القمة الأخيرة رفعت هذا الحوار إلى مستوى القادة، مما يشير إلى اعتراف طوكيو المتزايد بأهمية آسيا الوسطى ليس فقط كشريك تجاري، بل كلاعب استراتيجي في سلاسل التوريد العالمية وممرات النقل. هذا التحول يمثل خروجاً عن السياسة الخارجية اليابانية التقليدية الأكثر تحفظاً تجاه المنطقة، ويدل على رغبة طوكيو في لعب دور أكثر فاعلية في تشكيل مستقبل آسيا الوسطى.
من الشريك الهامشي إلى الطرف الاستراتيجي
لطالما كانت آسيا الوسطى منطقة نفوذ تقليدية لروسيا والصين. ومع ذلك، فإن سعي اليابان إلى إقامة شراكات استراتيجية متنوعة مع دول المنطقة، دون فرض تحالفات أمنية أو شروط اقتصادية مسبقة، يقدم بديلاً جذاباً. هذا النهج، المبني على التعاون طويل الأمد والثقة المتبادلة، سمح لليابان ببناء قاعدة قوية من النفوذ السياسي في المنطقة، وهو ما مهد الطريق لتعزيز التعاون في مجالات جديدة ومهمة.
التركيز على المعادن الحيوية وتحديث البنية التحتية
تتجاوز اهتمامات اليابان في آسيا الوسطى مجرد التعاون الاقتصادي العام، وتركز بشكل خاص على قطاعات حيوية تخدم مصالحها الاستراتيجية. من بين هذه القطاعات، يبرز قطاع المعادن الحيوية كعنصر أساسي في الشراكة المتجددة بين البلدين.
واقعية الموارد وأمن الإمدادات
إن “واقعية الموارد” التي تقود سياسة اليابان في هذا المجال، تركز على ضمان أمن الإمدادات الاقتصادية، وليس فقط على تحقيق مكاسب تجارية قصيرة الأجل. اليابان، كونها أكبر مستهلك للعناصر الأرضية النادرة، تسعى منذ فترة طويلة إلى تنويع مصادرها، خاصةً في ظل نقاط الضعف المتزايدة في سلاسل التوريد العالمية. مشروع “ستبنوغورسك” في كازاخستان، الذي أطلق في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان محاولة مبكرة في هذا الاتجاه، لكنه واجه تحديات تقنية واقتصادية أدت إلى انسحاب اليابان.
الآن، ومع التغيرات الجيوسياسية الأخيرة، تعود اليابان بقوة أكبر، وتستهدف إنشاء قنوات إمداد “احتياطية” في آسيا الوسطى. وقد تجلى ذلك في التزامها بإنفاق ما يقرب من 19 مليار دولار على تطوير سلاسل إمداد المعادن باستخدام أحدث التقنيات على مدى السنوات الخمس المقبلة. وتشمل هذه الجهود استيراد الغاليوم، وهو معدن نادر يستخدم في صناعة أشباه الموصلات والإلكترونيات، من كازاخستان، في ظل هيمنة الصين على إنتاجه وتقييد صادراته.
“الممر الأوسط” وأهمية النقل
بالإضافة إلى المعادن الحيوية، يمثل قطاع النقل مجالاً آخر ذو أهمية استراتيجية كبيرة. اليابان تدعم بقوة تطوير طريق النقل الدولي عبر بحر قزوين، والذي يُعرف غالباً باسم “الممر الأوسط”. هذا الطريق لا يمثل مجرد مبادرة لوجستية، بل هو أداة جيوسياسية مهمة لتعزيز استقلال دول آسيا الوسطى سياسياً واقتصادياً.
من خلال دعم تحديث البنية التحتية والجمارك على طول هذا الطريق، تسعى اليابان إلى المساهمة في إعادة توجيه ربط المنطقة، وتقليل الاعتماد على روسيا. وقد قررت اليابان تزويد موانئ كازاخستان، وخاصةً في أكتاو، بأجهزة متطورة لتحسين أدائها.
دوافع التغيير: الحرب في أوكرانيا وهيمنة الصين
إن التغيورات الأخيرة في السياسة اليابانية تجاه آسيا الوسطى ليست عشوائية، بل هي نتيجة مباشرة لتطورات جيوسياسية مهمة. الحرب الروسية الأوكرانية أدت إلى تعطيل طرق التجارة التقليدية، مما دفع دول آسيا الوسطى إلى البحث عن بدائل. كما أن قيود التصدير التي فرضتها الصين على العناصر الأرضية النادرة، أثارت مخاوف جدية في طوكيو بشأن أمن الإمدادات، وحتمت عليها تسريع جهودها لتنويع مصادرها.
هذه العوامل مجتمعة جعلت احتياطيات آسيا الوسطى من المعادن ذات أهمية متزايدة للأمن الاقتصادي لليابان. وبالتالي، فإن التعاون الاقتصادي مع دول المنطقة لم يعد مجرد خيار، بل ضرورة استراتيجية.
مستقبل الشراكة اليابانية الآسيوية الوسطى
إن التعاون المتجدد بين اليابان ودول آسيا الوسطى يحمل في طياته فوائد متبادلة. بالنسبة لدول المنطقة، يمثل هذا التعاون فرصة للتعامل مع المنافسة بين القوى الكبرى، والاندماج بشكل أكبر في الاقتصاد العالمي، وتنويع مصادر الدخل. بالنسبة لليابان، يوفر هذا التعاون وصولاً إلى موارد حيوية، وتعزيزاً لأمنها الاقتصادي، وتوسيعاً لنفوذها السياسي في المنطقة.
بشكل عام، فإن إشراك اليابان من خلال الحوار يعزز دور دول آسيا الوسطى، ويمكنها من التحدث ككتلة موحدة والسعي إلى تحقيق مصالحها بشروط أكثر توازناً. هذه الشراكة، المبنية على الثقة والاحترام المتبادل، لديها القدرة على إحداث تغيير إيجابي في المنطقة، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً. من المتوقع أن تستمر اليابان في تعزيز دورها من خلال الاستثمار في مجالات ذات أولوية لآسيا الوسطى، مثل الأمن الاقتصادي والتكنولوجيا، مما يعزز مكانتها كشريك استراتيجي موثوق به.


