في خضمّ سعي وسائل الإعلام الأوروبية للحصول على تعويضات عادلة من عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين، تبرز الدنمارك كنموذج فريد من نوعه. فبدلاً من التفاوض بشكل منفرد، اتخذت الصحافة الدنماركية موقفاً موحداً، مُطالبةً بأسعار أعلى لاستخدام محتواها من قبل هذه الشركات، سواء في نتائج البحث أو في تطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل روبوتات الدردشة. هذا الموقف الجريء، وإن كان يبدو غير متكافئ في ظل الصعوبات المالية التي تعاني منها وسائل الإعلام الدنماركية والقوة الهائلة لشركات مثل “غوغل”، يمثل جزءاً من حركة أوسع نطاقاً نحو تحقيق السيادة الرقمية.
جبهة موحدة ضد عمالقة التكنولوجيا
لم تكن ردة فعل الدنمارك على ممارسات شركات التكنولوجيا الأمريكية تقليدية. ففي الوقت الذي وقّعت فيه دول أوروبية أخرى اتفاقيات ترخيص فردية مع “ميتا” و”غوغل”، اختارت الدنمارك تشكيل جبهة موحدة. تأسست منظمة إدارة الصحافة الدنماركية الجماعية في عام 2021 لتمثيل الناشرين، وتضم الآن ما يقرب من 99% من صناعة الإعلام الدنماركية.
هذا التحالف لم يأتِ من فراغ. فالناشرون الدنماركيون يخشون من أن تقوم شركات التكنولوجيا الكبرى بتقويض الإعلام المحلي تدريجياً، من خلال استغلال المحتوى دون تعويض عادل. كما أنهم يرون في هذا التحالف وسيلة لضمان عدم تقسيم الصناعة عبر استراتيجية “فرّق تسد” التي قد تتبعها هذه الشركات.
تروي كارين روندي، الرئيسة التنفيذية للمنظمة، أن هذا التحالف كان ضرورياً لأن الدنمارك بلد صغير، ولن تتمكن من التفاوض بفعالية إلا إذا بقيت وسائل الإعلام متحدة. هذا التحدي ليس مجرد نزاع تجاري حول حقوق النشر، بل هو صراع على ملكية المعلومات، وعلى مستقبل الديمقراطية وحرية الصحافة في الدنمارك.
ردود فعل عنيفة وتصاعد التحدي
الموقف الدنماركي لم يخلُ من ردود فعل عنيفة. يقول ترويلس يورغنسن، المدير الرقمي لصحيفة “بولتيكن”: “يمكنهم تحمل الانتظار حتى نستسلم”. هذه العبارة تلخص الإحساس بالتفاوت في القوة بين وسائل الإعلام الدنماركية وشركات التكنولوجيا العملاقة.
ولكن التحدي يتجاوز مجرد المفاوضات مع “غوغل” و”ميتا”. ففي جميع أنحاء الدنمارك، هناك تصاعد في ردود الفعل العنيفة ضد التغلغل المتزايد للتكنولوجيا الأمريكية. من الفصول الدراسية التي تعتمد على أجهزة “كروم بوك” إلى البنية التحتية الرقمية للبلاد، يظهر قلق متزايد بشأن فقدان السيطرة على البيانات والتكنولوجيا.
السيادة التكنولوجية: الدنمارك كمختبر عالمي
تعتبر الدنمارك، التي كانت في يوم من الأيام رائدة في مجال التكنولوجيا الرقمية، نفسها الآن مختبراً عالمياً لمفهوم السيادة التكنولوجية. فقد تحول المزاج العام من الحماس إلى التحدي، مع إدراك متزايد لأهمية التحكم في البنية التحتية الرقمية والبيانات.
تقول بيرنيل ترانبرغ، مديرة مركز أبحاث “دايتا إيثيكس”: “كنا سعداء جداً بالولايات المتحدة. نحن نعرف اللغة، ونشاهد جميع الأفلام الأمريكية”. ولكنها تضيف أن هذا الوضع بدأ يتغير، حتى قبل فترة حكم ترامب.
هذا التحول يعكس قلقاً أوسع نطاقاً بشأن تأثير شركات التكنولوجيا الأمريكية على السيادة الوطنية، وعلى القيم الديمقراطية. فالسيطرة على البيانات والتكنولوجيا تمنح هذه الشركات نفوذاً كبيراً، ويمكن أن تؤثر على كل شيء من السياسة إلى الاقتصاد.
بناء بدائل سيادية
لا تقتصر الدنمارك على مقاومة شركات التكنولوجيا الأمريكية، بل تعمل أيضاً بنشاط على بناء بدائل سيادية خاصة بها. تعتبر شركة “نت كمبني” مثالاً بارزاً على هذا الجهد. فقد تمكنت هذه الشركة الدنماركية من إزاحة الشركات العالمية العملاقة لتصبح المسؤولة عن إدارة العمود الفقري الرقمي للبلاد.
هذا الجهد يهدف إلى تقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية، وضمان أن الدنمارك لديها القدرة على التحكم في بنيتها التحتية الرقمية. كما أنه يهدف إلى تعزيز الابتكار المحلي، وخلق فرص عمل جديدة.
مستقبل الصراع: هل يمكن للدنمارك أن تنجح؟
السؤال المطروح الآن هو: هل يمكن للدولة الصغيرة أن تقاوم بشكل فعال أقوى الشركات في العالم؟ هل ستنجح الدنمارك في تحقيق السيادة الرقمية، أم أن ثمن المقاومة – بما في ذلك خسارة الإيرادات والعزلة الرقمية – سيجبرها على الرضوخ؟
في عام 2023، تم التوصل إلى اتفاق مؤقت بين منظمة إدارة الصحافة الدنماركية الجماعية و”غوغل”، يسمح للناشرين بتلقي مدفوعات مقابل مقتطفات المقالات المستخدمة في البحث. ومع ذلك، لا تزال القضايا الأكثر إثارة للجدل، مثل تدريب الذكاء الاصطناعي واستخراج النصوص، قيد التفاوض.
النتيجة النهائية لهذه التجربة ستكون لها تداعيات كبيرة على بقية دول الاتحاد الأوروبي. فإذا نجحت الدنمارك، فقد تلهم دولاً أخرى لاتخاذ موقف مماثل. أما إذا فشلت، فقد يؤدي ذلك إلى تثبيط عزيمة أولئك الذين يسعون إلى تحدي هيمنة شركات التكنولوجيا الأمريكية.
إن صراع الدنمارك مع عمالقة التكنولوجيا ليس مجرد قضية اقتصادية، بل هو صراع على القيم، وعلى مستقبل الديمقراطية في العصر الرقمي. وهو صراع يستحق المتابعة، لأنه قد يحدد مسار العلاقات بين أوروبا و”وادي السيليكون” في السنوات القادمة. النقاش حول حقوق النشر الرقمية و الذكاء الاصطناعي سيستمر بالتأكيد في التطور.


