في قلب مدينة الإسكندرية الساحرة، يتردد صدى تاريخ عريق يمتد لأكثر من قرن ونصف، إنه ترام الإسكندرية، رمز المدينة وهويتها. مؤخرًا، أثيرت مخاوف بشأن مصير هذا المعلم التاريخي، ولكن وزارة النقل المصرية طمأنت المواطنين نافيةً أي نية لإزالته بشكل نهائي، بل أكدت على البدء في مشروع ضخم لإعادة تأهيله وتطويره. هذا المقال يستعرض تفاصيل هذا المشروع وأهميته، بالإضافة إلى تاريخ هذا الترام العريق وارتباطه بوجدان السكندريين.

مشروع إعادة تأهيل ترام الإسكندرية: ضرورة حتمية

لم يكن قرار إعادة تأهيل ترام الإسكندرية مجرد استجابة لمطالب المواطنين، بل جاء نتيجة دراسات متكاملة لمنظومة النقل في محافظة الإسكندرية. هذه الدراسات أظهرت تدهورًا كبيرًا في البنية التحتية والأنظمة التشغيلية للترام، وانخفاضًا ملحوظًا في أعداد الركاب بسبب سوء حالته الفنية. هذا الأمر دفع المواطنين للبحث عن وسائل نقل بديلة، مما أدى إلى تفاقم أزمة الازدحام المروري في المدينة.

أسباب الحاجة إلى التطوير

بالإضافة إلى الحالة الفنية المتردية، تعاني الإسكندرية من اعتمادها على طريقين طوليين فقط لربط شرق المدينة بوسطها، وطريق حضري واحد يربط وسط المدينة بغربها. هذا الاعتماد المحدود على الطرق التقليدية يزيد من الضغط المروري ويؤثر سلبًا على حركة التنقل داخل المدينة. بالتزامن مع ذلك، بدأت الحكومة المصرية في تنفيذ مشروع مترو الإسكندرية، مما يجعل تطوير منظومة الترام ضرورة ملحة لضمان التكامل بين وسائل النقل المختلفة.

تفاصيل مشروع التطوير: نقلة نوعية في خدمة الركاب

يهدف مشروع إعادة التأهيل إلى إحداث نقلة نوعية في خدمة الركاب وتقليل المشكلات المرورية التي تعاني منها الإسكندرية. يشمل المشروع تطويرًا شاملاً للبنية التحتية وأسطول الترام، مما سيساهم في رفع الطاقة الاستيعابية من 4700 راكب/ساعة/اتجاه إلى 13800 راكب/ساعة/اتجاه.

تحسينات ملموسة في الأداء

بالإضافة إلى زيادة الطاقة الاستيعابية، يهدف المشروع إلى تقليل زمن الرحلة إلى 35 دقيقة بدلاً من 60 دقيقة، وزيادة سرعة التشغيل، وتقليل زمن التقاطر من 9 دقائق إلى 3 دقائق فقط. هذه التحسينات ستجعل ترام الإسكندرية وسيلة نقل أكثر كفاءة وجاذبية للمواطنين. كما يساهم المشروع في تقليل التلوث البيئي وخفض استهلاك الوقود، بالإضافة إلى توفير فرص عمل خلال مرحلتي التنفيذ والتشغيل.

تاريخ عريق يمتد لأكثر من 150 عامًا

بدأت حكاية ترام الإسكندرية في عام 1863، في عهد الخديوي سعيد، عندما تم منح امتياز إنشاء أول خط ترام في مصر والشرق الأوسط لشركة إنجليزية. في البداية، كان الترام يجر بواسطة الخيول ليربط بين محطتي “الرمل” و”فيكتوريا”.

مراحل تطور الترام

في عام 1869، ومع تزايد الكثافة السكانية، تطور الترام ليعمل بالمحركات البخارية، مما أحدث نقلة نوعية في سرعة التنقل داخل المدينة الساحلية. وفي عام 1902، شهدت الإسكندرية تحولًا تاريخيًا بدخول الكهرباء لتشغيل الترام، وبدأ ظهور العربات ذات الطابقين التي ميزت “ترام الرمل” عن غيره في العالم. وسائل النقل العام في الإسكندرية شهدت تطورات كبيرة على مر السنين، ولكن الترام ظل يحتفظ بمكانته الخاصة.

ترام الإسكندرية: أكثر من مجرد وسيلة نقل

لم يكن الترام مجرد وسيلة نقل للمواطنين، بل ارتبط بوجدان السكندريين وأصبح جزءًا لا يتجزأ من تاريخ المدينة وثقافتها. كان الترام مكانًا للقاء المثقفين، ومسرحًا للقصص والحكايات الشعبية، وملهمًا للأعمال السينمائية والأدبية. كان يمر عبر الأحياء الراقية والشعبية ليصهر نسيج المدينة وطبقات سكانها المختلفة في عرباته.

معلم سياحي فريد

يصنف ترام الإسكندرية كأحد أقدم أنظمة الترام المستمرة في العمل بالعالم، حيث حافظ على مساراته الأصلية رغم كل التحديات العمرانية. يظل هذا الترام “المعلم السياحي” الأول الذي يمنح الزائرين فرصة مشاهدة معالم وأحياء الإسكندرية بهدوء وتأمل وفي وقت قياسي معقول. السياحة في الإسكندرية تعتمد بشكل كبير على هذه المعالم التاريخية والثقافية.

في الختام، مشروع إعادة تأهيل ترام الإسكندرية ليس مجرد تحديث لوسيلة نقل قديمة، بل هو استثمار في تاريخ المدينة ومستقبلها. يهدف المشروع إلى الحفاظ على هذا المعلم التاريخي وتطويره ليخدم الأجيال القادمة، مع توفير خدمة نقل حديثة وآمنة وعصرية للمواطنين. ندعوكم لمتابعة تطورات هذا المشروع والتعبير عن آرائكم ومقترحاتكم للمساهمة في إنجاحه.

شاركها.
Exit mobile version