في عالمنا المعاصر، ومع تزايد الوعي بأهمية الغذاء الصحي، ظهرت ظاهرة جديدة تثير قلق الأطباء النفسيين وخبراء التغذية، وهي الهوس بالأكل الصحي (Orthorexia Nervosa). لم يعد الأمر مجرد حرص على اختيار الأطعمة المغذية، بل تحول إلى قلق مرضي بشأن “نقاء” و “صحة” كل ما يتم تناوله. كشفت دراسة حديثة من الجامعة الكاثوليكية بروما في إيطاليا عن مدى انتشار هذه الأعراض عالمياً، مؤكدةً أنها قد تكون مؤشراً على اضطرابات الأكل الأكثر تعقيداً.
ما هو الهوس بالأكل الصحي؟
الهوس بالأكل الصحي ليس مجرد تفضيل للطعام العضوي أو قلة السكر. بل هو اضطراب يتميز بانشغال مرضي بجودة الطعام، والالتزام الصارم بتناول الأطعمة التي يعتبرها الشخص “صحية” بشكل مفرط، مع استبعاد أي شيء يعتبر “ضاراً” حتى بكميات صغيرة. هذا الانشغال يتجاوز الاحتياجات الغذائية الفعلية ويؤثر بشكل سلبي على جوانب مختلفة من الحياة، بما في ذلك الحالة النفسية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى الصحة الجسدية.
من المهم التمييز بين الرغبة الطبيعية في اتباع نظام غذائي صحي والسلوك القهري المرتبط بالهوس. فالأكل الصحي بحد ذاته أمر إيجابي، ولكنه يصبح مشكلة عندما يسيطر على الفكر والسلوك ويسبب ضيقاً كبيراً.
نتائج الدراسة: انتشار عالمي مقلق
حلل الباحثون بيانات 30 ألف شخص من 18 دولة مختلفة، وكشفت النتائج عن أن نسبة انتشار أعراض الهوس بالأكل الصحي تجاوزت 27.5%. هذه النسبة تعتبر عالية وتثير القلق بشأن الصحة النفسية للعديد من الأفراد.
هل يصيب الذكور والإناث بالتساوي؟
على عكس الاعتقاد السائد بأن اضطرابات الأكل أكثر شيوعاً بين الإناث، لم تجد الدراسة فروقاً واضحة بين الجنسين. بل كانت النسبة متقاربة، حيث بلغت 34.6% للإناث و 32.1% للذكور. هذا يشير إلى أن الهوس بالأكل الصحي يمكن أن يصيب أي شخص بغض النظر عن الجنس.
من هم الأكثر عرضة للإصابة؟
أظهرت الدراسة أن الأفراد الذين يركزون على الأداء الرياضي وتكوين الجسم هم الأكثر عرضة للإصابة، حيث وصلت النسبة لديهم إلى 34.5%. هذا يرجع إلى الضغط المستمر لتحقيق الكمال الجسدي، والذي قد يؤدي إلى سلوكيات غذائية قهرية. المراهقون والشباب هم أيضاً من الفئات الأكثر عرضة للخطر، نظراً لاهتمامهم الزائد بمظهرهم وتأثيرهم بمقاييس الجمال غير الواقعية.
العلاقة بين الهوس بالأكل الصحي والمشكلات النفسية
أظهرت الدراسة ارتباطاً قوياً بين الهوس بالأكل الصحي ومجموعة من المشكلات النفسية، بما في ذلك:
- السعي نحو الكمال: يعتبر السعي نحو الكمال هو الدافع الرئيسي وراء هذا الاضطراب، حيث يركز الأفراد على تحقيق الكمال في الجانب الغذائي بشكل خاص.
- القلق والتوتر: يسبب الالتزام الصارم بقواعد غذائية معينة قلقاً وتوتراً مستمرين، خاصة في المواقف الاجتماعية التي قد تتطلب تناول أطعمة غير “صحة”.
- انخفاض الرضا عن الحياة: يؤثر الهوس بالأكل الصحي سلباً على جودة الحياة بشكل عام، حيث يحد من الأنشطة الاجتماعية والاستمتاع بالطعام.
- أعراض الاكتئاب: أظهرت الدراسة أن الأفراد المصابين بهذا الاضطراب كانوا أكثر عرضة للاكتئاب.
دور وسائل التواصل الاجتماعي في تفاقم المشكلة
تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في انتشار الهوس بالأكل الصحي. فمن خلال الترويج لأنظمة غذائية محددة ومعايير جمالية غير واقعية، تزيد هذه المنصات من الضغط على الأفراد لاتباع أنماط حياة “صحية” مثالية. بالإضافة إلى ذلك، تساهم وسائل التواصل في ظهور عادات ثقافية جديدة تؤكد على السعي الدائم نحو الصحة والجمال، مما قد يؤدي إلى سلوكيات قهرية.
أضرار الهوس بالصحة بخلاف سوء التغذية
بالرغم من انطلاق هذه السلوكيات من محاولة لتحسين الصحة، إلا أنها غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية. الاستغناء التام عن بعض العناصر الغذائية الهامة، مثل الدهون الصحية، يمكن أن يؤثر سلباً على صحة الجسم. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي التركيز المفرط على جودة الطعام إلى سوء التغذية بسبب تقييد التنوع الغذائي.
الخلاصة: نحو فهم أكبر والتوعية
إن الهوس بالأكل الصحي هو اضطراب نفسي ناشئ يستحق الاهتمام. تظهر الدراسة بوضوح أن هذا الاضطراب ليس مجرد “موضة غذائية” بل هو مشكلة حقيقية يمكن أن تؤثر سلباً على الصحة النفسية والجسدية للأفراد. من الضروري زيادة الوعي بهذا الاضطراب، وتقديم الدعم اللازم للمتضررين، وتشجيع اتباع أساليب حياة صحية معتدلة ومتوازنة، بعيداً عن القلق المرضي والسلوكيات القهرية.
إذا كنت تشك في أنك أو أحد معارفك يعاني من الهوس بالأكل الصحي، فلا تتردد في طلب المساعدة من أخصائي في الصحة النفسية أو التغذية. العلاج المبكر يمكن أن يساعد في منع تفاقم المشكلة وتحسين جودة الحياة.


