تثير دراستان حديثتان قلقاً متزايداً بشأن تأثير المواد الحافظة الشائعة في الأطعمة المصنعة على صحة الإنسان. فقد أشارت النتائج الأولية إلى وجود صلة محتملة بين التعرض لهذه المواد وزيادة خطر الإصابة بأمراض خطيرة مثل السرطان والسكري من النوع الثاني. هذه النتائج، التي نشرتها شبكة CNN الأمريكية، تدعو إلى إعادة النظر في اللوائح المتعلقة باستخدام المضافات الغذائية، وتؤكد على أهمية اختيار الأطعمة الطازجة وغير المصنعة.

دراسات رائدة تكشف عن ارتباط محتمل بين المواد الحافظة والأمراض المزمنة

تعتبر هاتان الدراستان، اللتان أُجريتا في فرنسا، من أوائل الأبحاث التي تبحث بشكل مباشر في العلاقة بين التعرض للمواد الحافظة وتطور السرطان والسكري. قامت الباحثة الرئيسية في إحدى الدراستين، ماتيلد توفييه، بالتأكيد على أهمية هذه النتائج، مشيرة إلى أن هذه المواد ليست شائعة الاستخدام فقط في الأسواق الفرنسية والأوروبية، بل أيضاً في الولايات المتحدة. اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات أكثر من 170 ألف مشارك، حيث تمت مقارنة تقاريرهم حول النظام الغذائي ونمط الحياة مع بياناتهم الطبية المخزنة في نظام الرعاية الصحية الوطني الفرنسي.

على الرغم من أن الباحثة توفييه شددت على ضرورة الحذر في استخلاص النتائج النهائية، إلا أنها أكدت على الحاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث لتأكيد هذه الارتباطات. من جانبه، أشار الدكتور ديفيد كاتز، المتخصص في الطب الوقائي ونمط الحياة، إلى أن هذه المخاوف تمثل سبباً إضافياً للتأكيد على أهمية تناول الأطعمة الطازجة الكاملة وقليلة المعالجة، وخاصة تلك الغنية بالنباتات.

المواد الحافظة والسرطان: نظرة تفصيلية

نشرت دراسة حول السرطان في المجلة الطبية البريطانية، وفحصت تأثير 58 مادة حافظة على حوالي 105 آلاف شخص لم يكونوا مصابين بالسرطان في عام 2009، وتمت متابعتهم لمدة تصل إلى 14 عاماً. ركزت الدراسة على مقارنة الأشخاص الذين تناولوا أكبر كمية من الأطعمة المحتوية على مواد حافظة مع أولئك الذين تناولوا أقل كمية.

بعد تحليل معمق لـ 17 مادة حافظة استهلكها ما لا يقل عن 10% من المشاركين، وجد الباحثون أن 11 منها لم تظهر أي ارتباط بالسرطان. ومع ذلك، كشفت الدراسة عن وجود ارتباط بين ست مواد حافظة وأنواع معينة من السرطان، على الرغم من أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تصنف هذه المواد على أنها “آمنة عموماً” في الغذاء.

تشمل هذه المواد نتريت الصوديوم، ونترات البوتاسيوم، والسوربات، وميتابيسلفيت البوتاسيوم، والأسيتات، وحمض الأسيتيك. على سبيل المثال، ارتبط نتريت الصوديوم، المستخدم بشكل شائع في اللحوم المصنعة، بزيادة خطر الإصابة بسرطان البروستاتا بنسبة 32%، بينما ارتبطت نترات البوتاسيوم بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي بنسبة 22% وزيادة خطر الإصابة بجميع أنواع السرطان بنسبة 13%. كما أكدت الدراسة على أن اللحوم المصنعة صنفتها منظمة الصحة العالمية كمادة مسرطنة، مع وجود صلة مباشرة بينها وبين سرطان القولون.

أمثلة على المواد الحافظة المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بالسرطان

  • السوربات: خاصة سوربات البوتاسيوم، ارتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي بنسبة 26% وزيادة خطر الإصابة بجميع أنواع السرطان بنسبة 14%.
  • ميتابيسلفيت البوتاسيوم: يرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي بنسبة 20% وزيادة خطر الإصابة بجميع أنواع السرطان بنسبة 11%.
  • الأسيتات وحمض الأسيتيك: ارتبطا بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي والسرطان بشكل عام.

المواد الحافظة والسكري من النوع الثاني: نتائج مقلقة

ركزت دراسة أخرى، نشرت في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز”، على العلاقة بين المواد الحافظة وخطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني. شملت الدراسة حوالي 109 آلاف مشارك لم يكونوا مصابين بالسكري عند بدء الدراسة. أظهرت النتائج أن 12 مادة حافظة من أصل 17 مادة فحصها ارتبطت بزيادة خطر الإصابة بالسكري بنسبة تقارب 50% لدى الأشخاص الذين تناولوا أعلى مستوياتها.

خمس من المواد الحافظة التي ارتبطت بالسرطان في الدراسة السابقة – سوربات البوتاسيوم، وميتابيسلفيت البوتاسيوم، ونتريت الصوديوم، وحمض الخليك، وأسيتات الصوديوم – زادت أيضاً من خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني بنسبة 49%. بالإضافة إلى ذلك، ارتبطت مادة بروبيونات الكالسيوم، المستخدمة لمنع نمو العفن والبكتيريا، أيضاً بالمرض.

مضادات الأكسدة والمواد الحافظة: مفارقة محتملة

أظهرت الدراسة أيضاً أن استخدام أكثر من مادتين مضادتين للأكسدة زاد من خطر الإصابة بالسكري. تشمل هذه المواد ألفا توكوفيرول (فيتامين هـ)، وأسكوربات الصوديوم (فيتامين ج)، ومستخلصات إكليل الجبل، وإريثوربات الصوديوم، وحمض الفوسفوريك، وحمض الستريك.

الخلاصة: نحو نظام غذائي أكثر وعياً

تؤكد هذه الدراسات على أهمية إجراء المزيد من الأبحاث لتأكيد هذه النتائج وتوسيع نطاقها. ومع ذلك، فإن البيانات المتوفرة حالياً تدعم الحاجة إلى إعادة تقييم اللوائح المتعلقة باستخدام المضافات الغذائية، بهدف تحسين حماية المستهلك. في الوقت الحالي، يُنصح الأفراد بالتركيز على تناول الأطعمة الطازجة الكاملة وقليلة المعالجة، والحد من استهلاك الأطعمة المصنعة التي تحتوي على المواد الحافظة بكميات كبيرة. إن اتخاذ خيارات غذائية واعية يمكن أن يساهم في تعزيز الصحة العامة وتقليل خطر الإصابة بالأمراض المزمنة.

شاركها.
Exit mobile version