يُعد التراجع المعرفي جزءاً طبيعياً من مسار التقدم في العمر، إذ تبدأ تغيراته الخفية منذ العقد الرابع، قبل أن تصبح أكثر وضوحاً في منتصف الخمسينات، حين تتكرر هفوات الذاكرة اليومية، من نسيان الأسماء إلى التوقف لحظة في منتصف الغرفة بحثاً عن سبب الدخول إليها. لكن هل هذا التراجع حتمياً ولا يمكن تجاوزه؟ دراسة علمية حديثة تقدم رؤية جديدة حول الأمر، وتكشف عن أن مسار هذا التراجع ليس واحداً للجميع، بل يتسارع في نقاط تحول عمرية محددة. فهم هذه النقاط وتطبيق بعض التعديلات في نمط الحياة قد يكون مفتاحاً للحفاظ على صحة الدماغ وقدراته لفترة أطول.
دراسة تكشف عن محطات تسارع التراجع المعرفي
نُشرت دراسة حديثة في عام 2025 في مجلة «Nature Aging» المرموقة، كشفت عن أن التراجع المعرفي لا يحدث بوتيرة ثابتة، بل يشهد تسارعاً ملحوظاً في ثلاث مراحل عمرية رئيسية: 57، 70، و 78 عاماً. النتائج التي توصل إليها الباحثون ليست دعوة للهلع، بل هي فرصة للاستعداد واتخاذ خطوات استباقية لحماية صحة الدماغ.
بروتينات الدماغ ومؤشرات التغيير
اعتمدت الدراسة على تحليل دقيق لمستويات 13 بروتيناً في الدماغ، والتي أثبتت ارتباطها الوثيق بتسارع عملية الشيخوخة وتطور الأمراض العصبية التنكسية. لاحظ الباحثون أن ارتفاع مستويات هذه البروتينات يتزامن مع تحولات بيولوجية واجتماعية كبيرة، مثل التغيرات الهرمونية المصاحبة لمنتصف العمر، والانتقال إلى مرحلة التقاعد. هذه البروتينات بمثابة مؤشرات حيوية للكشف عن بداية التغييرات التي تؤثر على وظائف الدماغ.
البروفسورة باربرا جي. ساهاكيان، أستاذة الطب النفسي بجامعة كمبردج، أوضحت أن هذه الأعمار تمثل “نقاط انعطاف” تبدأ عندها تغييرات دماغية عميقة بالظهور. وأكدت على أهمية الاستعداد المبكر لهذه المراحل؛ فإجراء تغييرات في نمط الحياة قبل هذه الأعمار بعشر سنوات على الأقل قد يكون كافياً لتغيير مسارنا المعرفي. تماماً كما نعتني بصحة القلب من خلال التحكم في الكوليسترول، يجب أن نهتم بصحة الدماغ.
التراجع المعرفي عند 57 عاماً: تباطؤ “إنترنت الدماغ”
عند بلوغ 57 عاماً، يبدأ حجم الدماغ في التقلص بوتيرة أسرع. يتعلق هذا الانخفاض بشكل خاص بالمادة البيضاء، وهي الأنسجة المسؤولة عن سرعة وكفاءة التواصل بين مناطق الدماغ المختلفة. يشبه الخبراء هذا التباطؤ بتدهور شبكة الإنترنت الداخلية للدماغ، مما يؤثر على سرعة معالجة المعلومات. صحة الدماغ في هذه المرحلة تتطلب اهتماماً خاصاً.
الدكتورة سابين دوناي، المتخصصة في طب طول العمر وصحة الدماغ، تشير إلى أن زيادة الوزن في منتصف العمر تلعب دوراً هاماً في تسريع هذا التراجع. زيادة الوزن تؤدي إلى إضعاف تدفق الدم إلى الدماغ، مما يقلل من وصول المغذيات الأساسية ويزيد من مستويات الالتهاب والإجهاد التأكسدي، وهي عوامل ضارة بالخلايا العصبية. كما أن ارتفاع مستويات الكوليسترول في هذه المرحلة يزيد من خطر الإصابة بالخرف في مراحل لاحقة، مما يجعل الفحوصات الطبية الدورية أمراً ضرورياً.
التراجع المعرفي عند 70 عاماً: “تأثير التقاعد”
في العقد السابع من العمر، يبدأ بروتين “تاو” في التراكم، وهو بروتين مرتبط بضعف الذاكرة والتفكير. بالتزامن مع ذلك، تشهد القشرة الدماغية ترققاً وتراجعاً في عدد الروابط العصبية، مما يؤثر على قدرات التعلم والتذكر.
تحذر البروفسورة ساهاكيان من أن الاعتماد المفرط على الخبرات السابقة وعدم تحدي الدماغ بمهام جديدة قد يسرّع هذا المسار. “استخدمه أو ستفقده” هي القاعدة الذهبية لصحة الدماغ، وهذا يعني ضرورة الحفاظ على نشاطه الدائم.
التراجع المعرفي عند 78 عاماً: نفاد “الاحتياطي المعرفي”
عند بلوغ 78 عاماً، يستمر انخفاض حجم الدماغ وتراجع تدفق الدم إليه، مع ارتفاع مستويات الالتهاب. في هذه المرحلة، يبدأ ما يُعرف بـ “الاحتياطي المعرفي” في النفاد. الاحتياطي المعرفي هو الرصيد الذي بناه الدماغ على مر السنين من خلال التعلم المستمر والتحديات الذهنية. وهذا الرصيد يمنح الدماغ قدرة أكبر على التكيف مع التغيرات المرتبطة بالعمر.
كيف نحمي الدماغ في جميع المراحل؟
لحسن الحظ، حتى في هذه المرحلة، لا يزال بناء الروابط العصبية الجديدة ممكناً. الدكتورة ساهاكيان تدعو إلى عدم التخلي عن المهام الذهنية الصعبة، والاستمرار في التعلم وتدريس الآخرين. كما تشدد الدكتورة دوناي على أهمية اتباع نظام غذائي صحي، والحصول على قسط كاف من النوم، وتقليل السكر والإجهاد المزمن، والحد من التعرض للملوثات البيئية.
الوقاية من التدهور المعرفي تتطلب تبني نمط حياة صحي ومتوازن. النشاط البدني المنتظم، الذي يرفع معدل ضربات القلب، يعزز حجم منطقة الحصين في الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن الذاكرة، ويحسن الأداء المعرفي بشكل عام. كما أن الأنشطة التي تحفز الدماغ بعمق، مثل تعلم لغات جديدة، أو ممارسة الرقص، أو المشاركة في أنشطة تتطلب جهداً ذهنيًا وحركيًا، تلعب دوراً هاماً في الحفاظ على وظائف الدماغ. بالإضافة إلى ذلك، يجب ألا نقلل من أهمية العلاقات الاجتماعية، فالوحدة والعزلة يمكن أن تزيد من خطر الإصابة بالخرف بنسبة تصل إلى 60%.
في الختام، التراجع المعرفي ليس قدراً محتوماً، بل هو عملية يمكن التأثير عليها من خلال تبني نمط حياة صحي. الاستعداد المبكر لهذه المراحل العمرية، والحفاظ على نشاط الدماغ والعلاقات الاجتماعية، يمكن أن يساعدنا في الحفاظ على قوة الذاكرة والتركيز لسنوات طويلة. تذكروا، الدماغ مبرمج على البقاء، ومع العناية المناسبة، يمكننا الاستمتاع بصحة معرفية جيدة حتى في مراحل العمر المتقدمة.

