دراسة حديثة أثارت اهتماماً واسعاً في الأوساط العلمية، حيث كشفت عن فوائد جمّة لرعاية الأحفاد على صحة الأجداد الإدراكية. هذه الدراسة، المنشورة في مجلة «Psychology and Aging» المرموقة، تؤكد أن رعاية الأحفاد ليست مجرد متعة عائلية، بل هي أيضاً استثمار في صحة الدماغ والحفاظ على القدرات العقلية مع التقدم في العمر. فهل تعلم أن قضاء الوقت مع أحفادك يمكن أن يساعدك على البقاء أكثر نشاطاً وذكاءً؟

فوائد رعاية الأحفاد للصحة الإدراكية: ما الذي كشفته الدراسة؟

أظهرت الدراسة، التي شملت بيانات 2887 جدّاً وجدة تتجاوز أعمارهم 50 عاماً، أن الأجداد الذين يشاركون في أي نوع من أنشطة رعاية الأحفاد – سواء كانت مساعدة في الواجبات المدرسية، أو العناية بهم عند المرض، أو حتى اللعب معهم – يتمتعون بقدرات إدراكية أفضل بشكل ملحوظ مقارنة بأولئك الذين لا يشاركون في هذه الأنشطة.

وبشكل خاص، لاحظ الباحثون أن الجدّات هن الأكثر استفادة من هذه الرعاية. فقد تبين أن التدهور الإدراكي كان أبطأ لدى النساء اللواتي قدّمن رعاية لأحفادهن مقارنة بالجدّات اللواتي لم يقمن بذلك. هذا يشير إلى أن رعاية الأحفاد قد يكون لها تأثير وقائي خاص على صحة الدماغ لدى النساء.

كيف تم إجراء الدراسة؟

اعتمد الباحثون من جامعة تيلبورغ في هولندا على بيانات تم جمعها من خلال استبيانات، حيث أفاد المشاركون بأنفسهم عن مدى مشاركتهم في رعاية أحفادهم خلال العام الماضي، وأنواع الرعاية التي قدموها. بالإضافة إلى ذلك، خضع الأجداد لاختبارات إدراكية تقيس جوانب مختلفة من القدرات العقلية، مثل الذاكرة والطلاقة اللفظية. تم إجراء هذه الاختبارات والاستبيانات ثلاث مرات على مدار ست سنوات (2016-2022) لتقييم التغيرات في الأداء الإدراكي بمرور الوقت.

المفاجأة في النتائج: ليست الكمية هي الأهم

أشارت الباحثة الرئيسية في الدراسة، فلافيا شيريكش، إلى أن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن مجرد الانخراط في رعاية الأحفاد كان له تأثير إيجابي على الأداء الإدراكي، بغض النظر عن عدد مرات تقديم الرعاية أو طبيعة الأنشطة التي مارسوها مع أحفادهم. بمعنى آخر، حتى تقديم القليل من الرعاية يمكن أن يكون له فوائد كبيرة لصحة الدماغ. هذا يفتح الباب أمام فهم أعمق لكيفية تأثير التفاعلات الاجتماعية والأنشطة اليومية على وظائف الدماغ.

لماذا تعتبر رعاية الأحفاد مفيدة لصحة الدماغ؟

كما نعتني بصحة أجسامنا من خلال ممارسة الرياضة، يجب علينا أيضاً الاهتمام بصحة أدمغتنا. تحسين الذاكرة والحفاظ على القدرات العقلية يتطلبان تحفيزاً مستمراً وتحدياً للعقل. وهنا تبرز أهمية رعاية الأحفاد.

تحفيز الدماغ وتعلم أشياء جديدة

رعاية الأحفاد توفر فرصة فريدة لتحفيز الدماغ على تعلم أشياء جديدة والتكيف مع مواقف مختلفة. سواء كنت تساعد حفيدك في واجباته المدرسية، أو تتعلم كيفية استخدام أحدث الألعاب الإلكترونية، أو ببساطة تستمع إلى قصصهم عن يومهم في المدرسة، فإنك بذلك تتحدى عقلك وتوسع آفاقك.

الدكتور زالدي تان يوضح أن تعلم أشياء جديدة يؤدي إلى تكوين وصلات جديدة بين خلايا الدماغ، مما يزيد من ما نسميه “المرونة الدماغية”. والمرونة الدماغية هي قدرة العقل والدماغ على التكيف مع التغيير، وهي ضرورية للحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر.

تعزيز النشاط الاجتماعي والتواصل

بالإضافة إلى التحفيز الذهني، توفر رعاية الأحفاد فرصة لتعزيز النشاط الاجتماعي والتواصل مع الآخرين. وقد أثبتت الأبحاث أن التفاعلات الاجتماعية مفيدة للدماغ، في حين أن العزلة الاجتماعية يمكن أن تلحق به الضرر. قضاء الوقت مع الأحفاد يمنحك فرصة للتواصل مع جيل جديد، وتبادل الخبرات، والشعور بالانتماء.

قيود الدراسة ومجالات البحث المستقبلية

على الرغم من النتائج الواعدة، يجب أن نضع في الاعتبار أن الدراسة لها بعض القيود. فقد أقر الباحثون بأنهم لم يتمكنوا من معرفة عادات المشاركين في منتصف العمر، وهو ما قد يؤثر في قدرتهم على رعاية الأحفاد وفي حالتهم الإدراكية الحالية. بالإضافة إلى ذلك، اعتمدت الدراسة على تقارير ذاتية من الأجداد حول عاداتهم في رعاية الأطفال، مما يترك مجالاً لاحتمال عدم دقة التذكر.

لذلك، هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتأكيد هذه النتائج واستكشاف الآليات التي تربط بين رعاية الأحفاد وصحة الدماغ. ومع ذلك، تشير الأدلة الحالية إلى أن النشاط الإدراكي الناتج عن رعاية الأحفاد يمكن أن يكون له فوائد كبيرة لصحة الدماغ والحفاظ على القدرات العقلية مع التقدم في العمر.

في الختام، رعاية الأحفاد ليست مجرد مسؤولية عائلية، بل هي فرصة ذهبية للاستثمار في صحتك العقلية والبدنية. لذا، إذا كنت جداً أو جدة، فلا تتردد في قضاء المزيد من الوقت مع أحفادك والاستمتاع بفوائد هذه العلاقة الفريدة. قد يكون هذا هو السر للحفاظ على عقلك شاباً ونشطاً لسنوات قادمة.

شاركها.
Exit mobile version