أصبح التبغ الإلكتروني، أو ما يُعرف بالسجائر الإلكترونية، ظاهرة منتشرة في السنوات الأخيرة، خاصة بين الشباب. ومع تزايد شعبيته، يواجه العديد من المستخدمين تحدياً غير متوقع: صعوبة الإقلاع عن السجائر الإلكترونية. ففي حين يُنظر إليه على أنه بديل “أقل ضرراً” من التدخين التقليدي، إلا أن الإدمان الناتج عنه يمثل مشكلة متنامية. وقد أظهرت الإحصائيات في بريطانيا تفوق عدد مستخدمي السجائر الإلكترونية على عدد المدخنين الجدد، مما يعكس هذا التحول ويثير القلق في الوقت ذاته. العديد من الأشخاص يعبرون عن رغبتهم في التوقف عن استخدامها، أو على الأقل التقليل منها، ليجدوا أنفسهم أمام صعوبات تفوق توقعاتهم.

لماذا يعتبر الإقلاع عن السجائر الإلكترونية صعباً؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن التخلي عن السجائر الإلكترونية يجب أن يكون سهلاً، فهي لا تحتوي على القطران والمواد الضارة الموجودة في دخان السجائر التقليدية. لكن الأمر أعمق من ذلك بكثير. يعتمد الإدمان على السجائر الإلكترونية على عاملين رئيسيين: النيكوتين، والعادة نفسها. النيكوتين، سواء كان في السجائر التقليدية أو الإلكترونية، هو مادة شديدة الإدمان تؤثر على الدماغ وتسبب الرغبة الشديدة في تعاطيها وأعراض الانسحاب عند التوقف.

بالإضافة إلى ذلك، تتشكل عادة الاستخدام من خلال الارتباطات العاطفية والاجتماعية والسلوكية. فالسجائر الإلكترونية قد ترتبط بمواقف معينة، مثل فترات الراحة في العمل، أو التوتر، أو حتى مجرد قضاء الوقت مع الأصدقاء. هذا الارتباط يجعل من الصعب التخلص من هذه العادة، حتى مع وجود الرغبة القوية في ذلك. بعض المستخدمين يجدون أنفسهم يفكرون في العودة إلى السجائر التقليدية، ليس لأنها أقل ضرراً، بل لأنها كانت جزءاً من روتينهم اليومي وربطوها بمشاعر معينة.

الفروق بين السجائر الإلكترونية والتقليدية: أوهام حول الأمان

على الرغم من أن السجائر الإلكترونية تعتبر أقل ضرراً من السجائر التقليدية، إلا أن هذا لا يعني أنها غير ضارة. يؤكد مارتن دوكريل، خبير في مجال التبغ، أن التدخين الإلكتروني والتدخين التقليدي يندرجان ضمن فئات مخاطر مختلفة تماماً. التدخين التقليدي يقتل بسبب الاحتراق، الذي ينتج عنه القطران وأول أكسيد الكربون ومئات المواد الكيميائية السامة. السجائر الإلكترونية تتجنب الاحتراق، لكنها مع ذلك تعرض الرئتين لمجموعة مختلفة من المواد الكيميائية.

الأدلة الحالية تشير إلى أن السجائر الإلكترونية أكثر أماناً، لكن آثارها طويلة المدى لا تزال غير معروفة بشكل كامل. لقد زادت المخاوف الصحية حول السجائر الإلكترونية مؤخراً، ولكن معظم الحالات المرتبطة بمشاكل في الرئة شملت استخدام السجائر الإلكترونية التي تحتوي على القنب، وليس تلك التي تحتوي على النيكوتين. الخلاصة هنا: تقليل الضرر لا يعني عدم وجود ضرر.

سهولة الاستخدام كعامل إدمان

أحد التحديات الفريدة التي يطرحها التدخين الإلكتروني هو سهولة استخدامه. فمع حظر التدخين في الأماكن المغلقة، أصبح من الصعب تدخين السجائر التقليدية بشكل علني. لكن السجائر الإلكترونية تسمح بالتدخين بشكل أكثر سرية وراحة، مما قد يزيد من وتيرة الاستخدام ويصعب عملية الإقلاع. وهذا ما أكدته جيمي هارتمان-بويس، الأستاذة المساعدة في السياسات الصحية، من خلال ملاحظات أفراد كثيرين تعاني من الإقلاع.

الجانب النفسي للإدمان وعلاجه

من منظور نفسي، كل من التدخين الإلكتروني والتقليدي هما محاولتان للتعامل مع حالات داخلية مزعجة. سواء كانت رغبة جسدية، أو قلقاً، أو شعوراً بالوحدة، فإن التدخين يوفر شعوراً مؤقتاً بالراحة. الدكتورة جايمي هيفنر تشرح أن الناس يتبنون هذه العادات بمرور الوقت لتجنب المشاعر السلبية.

لذلك، فإن العلاج الفعال للإدمان يجب أن يشمل كلا الجانبين: الجسدي والسلوكي. استخدام بدائل النيكوتين، مثل اللاصقات أو العلكة، يمكن أن يساعد في تخفيف أعراض الانسحاب. وفي الوقت نفسه، يجب على الأشخاص العمل على تغيير العادات المكتسبة، وتحديد المحفزات التي تدفعهم إلى التدخين الإلكتروني، وتطوير استراتيجيات صحية للتعامل مع التوتر والمشاعر السلبية. هناك تقنيات سلوكية معرفية قد تساعد في التعرف على الأنماط السلوكية الضارة وتغييرها.

الإقلاع عن السجائر الإلكترونية: نصائح وتحذيرات

بالنسبة للبالغين الذين يستخدمون السجائر الإلكترونية، فإن الإقلاع عنها ممكن، ولكنه يتطلب جهداً وتخطيطاً. من المهم وضع خطة واضحة، وتحديد أهداف واقعية، وطلب الدعم من الأصدقاء والعائلة أو من متخصص في الإقلاع عن التدخين.

أما بالنسبة للشباب، فالأمر أكثر إلحاحاً. فالشباب هم أكثر عرضة للإدمان على النيكوتين، وقد لا يكونون على دراية بالمخاطر الصحية المحتملة. لذا، يجب على الآباء والمعلمين والأخصائيين الاجتماعيين العمل معاً لتثقيف الشباب حول هذه المخاطر وتشجيعهم على عدم البدء في التدخين الإلكتروني من الأساس. تؤكد الدكتورة راشيل إسبا أن التدخين الإلكتروني للشباب هو “فكرة سيئة” لأن رئتهم وأدمغتهم لا تزال في طور النمو.

التحذير الأهم: لا تحاول الإقلاع عن السجائر الإلكترونية بالعودة إلى السجائر التقليدية. كما تقول هارتمان-بويس، فإن التدخين قاتل ويجب تجنبه بأي ثمن.

في الختام، على الرغم من أن السجائر الإلكترونية قد تبدو بديلاً أقل ضرراً، إلا أنها لا تخلو من المخاطر، والإقلاع عنها قد يكون تحدياً كبيراً. من خلال فهم الأسباب الكامنة وراء الإدمان، واعتماد استراتيجيات علاجية شاملة، وتقديم الدعم اللازم، يمكن للأشخاص التغلب على هذه العادة واستعادة صحتهم. إذا كنت تفكر في الإقلاع، فلا تتردد في طلب المساعدة المتخصصة. تذكر أن الصحة هي أثمن ما تملك.

شاركها.
Exit mobile version