هل تساءلت يومًا عن سرّ العيش بسلام وصحة لأكثر من قرن؟ يتبادر إلى أذهان الكثيرين السؤال الأزلي: كيف يعيش المرء حتى يبلغ المائة عام؟ مع تزايد عدد المعمرين حول العالم، أصبح فهم عاداتهم ونمط حياتهم أمرًا بالغ الأهمية. لا يتعلق الأمر فقط بالوصول إلى هذا العمر المذهل، بل بالتمتع بحياة طويلة مليئة بالصحة والنشاط. في هذا المقال، نستكشف خمسة دروس رئيسية يمكننا تعلمها من الأشخاص الذين تجاوزوا المائة عام، وكيف يمكننا تطبيقها لتحسين صحتنا وعافيتنا.
أسرار العيش طويلاً: نظرة على حياة المعمرين
وفقًا للإحصائيات، يمثل الأمريكيون الذين يتجاوزون المائة عام نسبة ضئيلة جدًا من إجمالي السكان، إذ يبلغ عددهم حوالي 101 ألف شخص فقط، أي ما يعادل 0.03% من سكان الولايات المتحدة. ومع ذلك، يمكننا أن نتعلم الكثير من هؤلاء الأشخاص الاستثنائيين. تشير الدراسات إلى أن العوامل الوراثية تلعب دورًا، ولكن نمط الحياة الصحي هو المحرك الرئيسي لطول العمر. فبينما تساهم الوراثة بنسبة تتراوح بين 30% و 40% في تحديد متوسط العمر، فإن السلوكيات الصحية تشكل النسبة الأكبر، التي تتراوح بين 60% و 70%. هذا يعني أن لدينا القدرة على التأثير بشكل كبير على صحتنا ومستقبلنا من خلال خياراتنا اليومية.
الدرس الأول: تبني “الشيخوخة الصحية” كمفهوم أساسي
لا يتعلق الأمر فقط بإطالة العمر، بل بالاستمتاع بجودة حياة عالية خلال هذه السنوات الإضافية. كما تؤكد الدكتورة ساكينا ويدراوغو تال، من المفضّل في مجال طب الشيخوخة استخدام مصطلح “الشيخوخة الصحية” بدلًا من مجرد “طول العمر”. الشيخوخة الصحية تعني الحفاظ على الصحة البدنية والنفسية والاجتماعية الجيدة قدر الإمكان. إنها رحلة مستمرة وليست وجهة، وتركز على الوقاية من الأمراض والإعاقات، وليس فقط علاجها. فلا يوجد وقت مبكر أو متأخر للبدء في تبني هذا المفهوم.
الدرس الثاني: الحركة الدائمة وأهمية النشاط البدني
ممارسة الرياضة بانتظام هي حجر الزاوية في الحياة الصحية الطويلة. تشير الأبحاث إلى أن النشاط البدني المنتظم يساعد على الحفاظ على قوة العضلات والعظام، وتحسين صحة القلب والأوعية الدموية، وتعزيز وظائف الدماغ. لا يجب أن تكون التمارين الرياضية مكثفة؛ حتى المشي اليومي البسيط أو القيام ببعض تمارين الإطالة يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا. المفتاح هو إيجاد نشاط تستمتع به والالتزام به على المدى الطويل.
الدرس الثالث: التغذية الصحية و قوة الغذاء
يعتبر النظام الغذائي الصحي جزءًا لا يتجزأ من الشيخوخة الصحية. يجب أن يركز نظامك الغذائي على الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة والبروتينات الخالية من الدهون والدهون الصحية. قلل من تناول الأطعمة المصنعة والسكر والملح والدهون المشبعة. إن اتباع نظام غذائي متوازن يوفر لجسمك العناصر الغذائية التي يحتاجها ليعمل بشكل صحيح ويحمي من الأمراض المزمنة.
الدرس الرابع: لا تهمل الحواس..حافظ على التواصل الاجتماعي وعلاج ضعف السمع
العلاقات الاجتماعية القوية والانخراط في الأنشطة المجتمعية أمران حاسمان لصحة الدماغ والعاطفة. إن الشعور بالوحدة والعزلة يمكن أن يؤدي إلى الاكتئاب والقلق وتدهور الوظائف الإدراكية. حافظ على التواصل مع العائلة والأصدقاء، وانضم إلى نوادٍ أو مجموعات ذات اهتمامات مشتركة، وتطوع في مجتمعك. إضافة إلى ذلك، يجب علاج ضعف السمع بجدية، فالسمع الجيد ضروري للتواصل الاجتماعي والمشاركة الكاملة في الحياة. إهمال ضعف السمع يمكن أن يؤدي إلى العزلة الاجتماعية والتدهور المعرفي.
الدرس الخامس: الوقاية من الأمراض المزمنة وإدارة المخاطر
السيطرة على عوامل الخطر المرتبطة بأمراض القلب والأوعية الدموية، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وارتفاع الكوليسترول والسمنة، أمر بالغ الأهمية للحفاظ على صحة طويلة الأمد. قم بإجراء فحوصات طبية منتظمة، واتبع نظامًا غذائيًا صحيًا، ومارس الرياضة بانتظام، وتجنب التدخين. إن معالجة هذه المشكلات الصحية في وقت مبكر يمكن أن تمنع تطورها إلى حالات مزمنة تهدد الحياة.
مؤشرات مبكرة للصحة الجيدة في الشيخوخة
قد يكون من الصعب تقييم مدى جودة تقدمنا في العمر. ولكن هناك ثلاثة مؤشرات سهلة القياس تعطي فكرة جيدة عن الصحة العامة: قوة قبضة اليد، وسرعة المشي، والتوازن. تشير قوة قبضة اليد إلى قوة العضلات والقدرة البدنية العامة. أما المشي البطيء وضعف التوازن فقد يدل على تراجع الوظائف البدنية وزيادة خطر الإصابة بالإعاقة. التوازن، على وجه الخصوص، بالغ الأهمية للتنقل بأمان ومنع السقوط.
متى يجب استشارة طبيب الشيخوخة؟
لا يوجد عمر محدد لزيارة طبيب متخصص في طب الشيخوخة. الأهم هو مستوى الأداء الوظيفي وليس العمر الزمني. يهتم هذا التخصص بالحفاظ على الاستقلالية ونوعية الحياة من خلال إدارة الصحة البدنية والمعرفية ومعالجة الاحتياجات المعقدة. قد يستفيد كبار السن من استشارة طبيب الشيخوخة إذا كانوا يعانون من أمراض متعددة أو يتناولون أدوية عديدة أو يعانون من ضعف إدراكي أو يواجهون صعوبات جسدية. وإذا تعرض الشخص للسقوط أو كان معرضًا لخطر السقوط، أو دخل المستشفى مؤخرًا، أو كانت هناك مخاوف بشأن قدراته الإدراكية، فيجب عليه طلب المساعدة الطبية العاجلة.
في الختام، إن حياة المعمرين تقدم لنا دروسًا قيمة حول كيفية العيش بصحة وسعادة لفترة أطول. من خلال تبني عادات صحية، والاهتمام بصحتنا الجسدية والعقلية والاجتماعية، وإدارة المخاطر الصحية، يمكننا جميعًا زيادة فرصنا في الوصول إلى عمر متقدم والتمتع بحياة مليئة بالنشاط والبهجة. لا تتردد في استشارة طبيبك لوضع خطة شخصية تناسب احتياجاتك وظروفك، ولا تنسَ أن تبدأ اليوم، فكل خطوة تخطوها نحو صحة أفضل هي استثمار في مستقبلك.

