أصدر البنك الدولي اليوم تقريرًا حول آفاق النمو الاقتصادي العالمي، حيث رفع توقعاته للعام الحالي لتصل إلى 2.6%، معتبرًا هذا الرقم دليلًا على قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود في وجه التحديات المتزايدة، وعلى رأسها التوترات التجارية. على الرغم من هذا التفاؤل الحذر، يظل هناك قلق بشأن التفاوتات المتزايدة بين الدول، خاصةً تلك منخفضة الدخل، وتراجع معدلات الاستثمار التي تهدد النمو المستقبلي. هذا التقرير يلقي الضوء على ديناميكيات معقدة تؤثر على الاقتصاد العالمي، ويقدم رؤى مهمة حول التحديات والفرص المتاحة.

رفع توقعات النمو العالمي مع الحذر والتريث

أظهر الاقتصاد العالمي مرونة أكبر من المتوقع في مواجهة الصعوبات، وهو ما دفع البنك الدولي إلى تعديل توقعاته صعودًا. صرح إندرميت جيل، كبير الاقتصاديين في البنك، بأنهم كانوا أكثر تشاؤمًا في بداية العام، لكن البيانات الأخيرة أثبتت خطأ توقعاتهم.

هذا التحسن يعزى إلى عدة عوامل رئيسية، منها:

التخزين الاحتياطي للشركات وتوجهات المستثمرين

لعبت الشركات دورًا هامًا في دعم الاقتصاد من خلال زيادة مخزونها تحسبًا لارتفاع الرسوم الجمركية، خاصةً في الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، أظهر المستثمرون شهية أكبر للمخاطرة مما كان متوقعًا، مما ساهم في تدفق الاستثمارات.

الاستثمار في التقنيات الجديدة والذكاء الاصطناعي

شهدت السنوات الأخيرة زيادة كبيرة في الإنفاق الاستثماري على التقنيات الجديدة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. هذا التوجه يعكس إيمان الشركات بأهمية الابتكار في تعزيز النمو وتحسين الكفاءة. الاستثمار في الذكاء الاصطناعي تحديدًا يُعد محركًا رئيسيًا للتغيير في العديد من القطاعات.

تحديات النمو في الدول النامية والمنخفضة الدخل

على الرغم من التفاؤل النسبي بشأن الاقتصاد العالمي بشكل عام، إلا أن هناك مخاوف جدية بشأن أداء الدول النامية والمنخفضة الدخل. يشير تقرير البنك الدولي إلى أن حوالي ربع هذه الدول لم تتمكن بعد من استعادة مستوياتها الاقتصادية التي كانت عليها قبل جائحة كوفيد-19.

تباطؤ النمو المتوقع في الاقتصادات النامية

من المتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي في الاقتصادات النامية إلى 4% في عام 2026، مقارنة بـ 4.2% في العام الماضي. هذا التباطؤ يهدد بتقويض الجهود المبذولة لتحقيق التنمية المستدامة والحد من الفقر.

فجوة الدخل المتزايدة

على الرغم من أن النمو في الدول منخفضة الدخل قد يكون أعلى نسبيًا، إلا أنه لن يكون كافيًا لتقليص الفجوة مع الدول الأكثر ثراءً. هذا الأمر يزيد من حدة التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية، ويؤدي إلى تفاقم المشاكل المتعلقة بالاستقرار السياسي والاجتماعي.

اتجاهات طويلة الأمد نحو تباطؤ النمو المحتمل

يشير البنك الدولي إلى وجود اتجاه طويل الأمد نحو تباطؤ النمو العالمي المحتمل، وهو ما يثير قلقًا بالغًا. يعود هذا الاتجاه إلى انخفاض معدلات الاستثمار السنوية في نصيب الفرد، حيث انخفضت من 8% في العقد الأول من الألفية الثانية إلى حوالي 2.5% في العقد الثاني.

انخفاض الاستثمار الخاص والتحديات الديموغرافية

يعزى هذا الانخفاض في الاستثمار إلى عدة عوامل، منها التغيرات الديموغرافية، وتراجع الثقة في البيئة الاقتصادية، وزيادة المخاطر الجيوسياسية. بالإضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى ارتفاع مستوى الرسوم الجمركية واستخدام الحواجز غير الجمركية كأدوات في السياسة التجارية، مما يعيق التجارة والاستثمار.

الحاجة إلى توفير فرص عمل جديدة

في ظل هذه التحديات، تواجه البلدان المنخفضة الدخل والنامية ضرورة توفير حوالي 1.2 مليار وظيفة جديدة خلال السنوات العشر المقبلة. هذا الأمر يتطلب جهودًا مضاعفة لتعزيز الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، وتنمية المهارات اللازمة لسوق العمل. الاستثمار في تنمية المهارات هو أمر بالغ الأهمية لضمان قدرة هذه الدول على الاستفادة من الفرص المتاحة.

الخلاصة: صمود مع تحديات مستمرة

على الرغم من أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة على الصمود في وجه التوترات التجارية والظروف الاقتصادية الصعبة، إلا أن هناك تحديات كبيرة لا تزال قائمة. النمو الاقتصادي العالمي لا يزال ضعيفًا، وهناك مخاوف بشأن التفاوتات المتزايدة بين الدول، وتراجع معدلات الاستثمار التي تهدد النمو المستقبلي. يتطلب الأمر تعاونًا دوليًا وجهودًا متضافرة لتعزيز النمو المستدام والشامل، وضمان استفادة الجميع من الفرص المتاحة. يجب على الدول التركيز على الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، بالإضافة إلى تعزيز بيئة الأعمال وتشجيع الابتكار. متابعة تطورات السياسة النقدية للبنوك المركزية حول العالم ستكون أيضًا ذات أهمية بالغة في تحديد مسار النمو الاقتصادي.

شاركها.
Exit mobile version