ترسيخ الاستدامة في الإمارات: محرك اقتصادي جديد وفرص استثمارية واعدة
تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة رؤية طموحة نحو مستقبل مستدام، وتسعى جاهدة لترسيخ مكانتها كنموذج عالمي رائد في هذا المجال. لم تعد الاستدامة مجرد هدف بيئي، بل أصبحت محركاً اقتصادياً رئيسياً يساهم في خلق فرص استثمارية جديدة، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني على الصعيدين الإقليمي والعالمي. يشهد هذا التحول نمواً ملحوظاً في التمويل المستدام، مدفوعاً بالتزام الدولة القوي بتحقيق الحياد المناخي وتبني ممارسات صديقة للبيئة.
مشاريع الاستدامة: ركيزة التحول الاقتصادي في الإمارات
تشكل مشاريع الاستدامة في دولة الإمارات محوراً أساسياً في مسار التحول الاقتصادي، وتعكس شمولية الرؤية في ضوء التوسع المستمر في إطلاق وتنفيذ مشاريع نوعية. تتنوع هذه المشاريع لتشمل قطاعات حيوية مثل الطاقة النظيفة، والبنية التحتية الخضراء، والتخطيط العمراني المستدام، والنقل منخفض الانبعاثات، وإدارة النفايات وإعادة تدويرها.
الطاقة النظيفة: استثمارات ضخمة ومستقبل واعد
تولي الإمارات اهتماماً خاصاً بتطوير قطاع الطاقة النظيفة، حيث تستثمر بشكل كبير في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. يشهد السوق الحالي طلباً غير مسبوق على الطاقة، خاصة في هذا القطاع الحيوي. وتسعى الدولة إلى زيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الوطني، مما يفتح آفاقاً واسعة للاستثمار والابتكار.
البنية التحتية الخضراء والتخطيط العمراني المستدام
لا يقتصر التوجه نحو الاستدامة على قطاع الطاقة، بل يمتد ليشمل تطوير بنية تحتية خضراء تعتمد على مواد وتقنيات صديقة للبيئة. كما تتبنى الإمارات مفاهيم التخطيط العمراني المستدام، التي تهدف إلى إنشاء مدن ذكية ومستدامة توفر بيئة معيشية صحية ومريحة لسكانها.
التمويل المستدام: وقود مشاريع المستقبل
يقف التمويل المستدام في صميم هذا التحول، باعتباره الأداة التي تتيح ترجمة الخطط والأهداف البيئية إلى مشاريع قابلة للتنفيذ والنمو. نجحت الإمارات في بناء منظومة متقدمة للتمويل المستدام تشمل السندات والصكوك الخضراء، والسندات الزرقاء، والقروض المرتبطة بالاستدامة. وقد ساهمت هذه الأدوات في تعبئة رؤوس الأموال لتمويل مشاريع مستدامة في مختلف القطاعات، مما يعزز من قدرة الدولة على تحقيق أهدافها البيئية والاقتصادية.
نمو سوق أدوات الدين المرتبطة بالاستدامة
توقع بشار الناطور، المدير التنفيذي الرئيس العالمي للتمويل الإسلامي في وكالة فيتش للتصنيفات الائتمانية، أن سوق أدوات دين “ESG” (البيئة والحوكمة والمجتمع) في دولة الإمارات سيواصل نموه على المدى المتوسط. يعزى هذا النمو إلى عدة عوامل، أبرزها إعلان اتحاد مصارف الإمارات عن توفير أكثر من تريليون درهم من التمويل المستدام بحلول عام 2030، بالإضافة إلى استراتيجية الدولة الطموحة للوصول إلى الحياد المناخي، وتمويل المشاريع المستدامة الكبرى، وإطلاق أطر تنظيمية جديدة.
الصكوك الخضراء والسندات الزرقاء: أدوات مالية مبتكرة
تعتبر الصكوك الخضراء والسندات الزرقاء من الأدوات المالية المبتكرة التي اكتسبت شعبية متزايدة في دولة الإمارات. فقد استحوذت الصكوك على الحصة الأكبر من إصدارات سوق أدوات الدين المرتبطة بالاستدامة في عام 2025، متجاوزة 60%. كما بدأ المصرف المركزي تطوير برنامج أذونات إسلامية مستدامة، في وقت يواصل فيه الطلب الاستثماري على إصدارات ديون “ESG” في الدولة تسجيل مستويات قوية.
أمثلة رائدة في التمويل المستدام
شهد سوق أدوات الدين في دولة الإمارات دخول مجموعة واسعة من الجهات المصدرة الجديدة من الشركات والمؤسسات المالية، التي طرحت لأول مرة صكوكاً وسندات مرتبطة بالحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية. من بين هذه الشركات والمؤسسات:
- تبريد: أصدرت صكوكاً خضراء.
- بن غاطي القابضة: أصدرت صكوكاً خضراء.
- أمنيات القابضة: أصدرت صكوكاً خضراء.
- بنك أبوظبي الأول: أصدر سندات زرقاء بقيمة 50 مليون دولار، ثم إصدار آخر بقيمة 20 مليون دولار.
- بنك الإمارات دبي الوطني: أصدر سندات مستدامة بقيمة مليار دولار، تتضمن شريحة زرقاء بقيمة 300 مليون دولار وشريحة خضراء بقيمة 700 مليون دولار.
وبلغت قيمة أدوات الدين المرتبطة بالبيئة والحوكمة والمجتمع “ESG” في الإمارات حوالي 29 مليار دولار بنهاية عام 2025، بعد تسجيل نمو سنوي يقارب 19%.
دور التشريعات والوعي في تعزيز الاستدامة
أكد الدكتور مصطفى أحمد، المدير الفني للمؤسسة الدولية لإدارة المخلفات الصلبة، أن الأنظمة والتشريعات تلعب دوراً أساسياً في تشجيع الشركات على تطبيق ممارسات الإدارة المستدامة للمخلفات. كما أشار إلى أهمية رفع الوعي العام بأهمية التحول نحو الاقتصاد الدائري. وتعتبر تجربة دولة الإمارات في مجال إدارة المخلفات المستدامة مبشرة، حيث توجد تشريعات حديثة تنظم هذا المجال وتدعم التحول نحو الاقتصاد الدائري.
التزام الشركات الإماراتية بالاستدامة
أظهر استطلاع HSBC العالمي حول الاستدامة أن شركات الإمارات تُظهر زخماً قوياً في تحقيق طموحاتها في مجال الاستدامة. فقد أفاد 94% من الشركات في دولة الإمارات بأن التحول المناخي يمثل فرصة تجارية، فيما تخطط 90% من الشركات في الدولة لتسريع نهجها في التحول المناخي خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهو ما يتجاوز المتوسط العالمي بأكثر من 12 نقطة مئوية. يعكس هذا الالتزام القوي الانتقال من مرحلة الطموح إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
باختصار، تواصل دولة الإمارات مسيرتها نحو مستقبل مستدام، مدفوعة برؤية طموحة، واستثمارات ضخمة، ومنظومة متقدمة للتمويل المستدام. وتشكل هذه الجهود محركاً اقتصادياً جديداً وفرصاً استثمارية واعدة، مما يعزز من مكانة الإمارات كنموذج عالمي رائد في مجال الاستدامة. لمزيد من المعلومات حول الاستدامة في الإمارات، يمكنكم زيارة المواقع الرسمية للحكومة والجهات المعنية.



