منذ توليه الرئاسة في فنزويلا عام 2013 خلفًا لهوجو تشافيز، شهدت العلاقة بين كاراكاس وواشنطن توترًا متزايدًا. بالنسبة للإدارة الأمريكية السابقة، لم يكن الرئيس نيكولاس مادورو مجرد زعيم لدولة ذات توجه اشتراكي، بل تجسيدًا لنظام اعتبرته “تهديدًا أمنيًا واستراتيجيًا”، مرتبطًا بشبكات الفساد وتهريب المخدرات. هذا التوتر بلغ ذروته في عملية عسكرية جريئة أدت إلى القبض على مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة، وهو تطور غير مسبوق يضع مستقبل فنزويلا على مفترق طرق.

الحملة الأمريكية ضد مادورو: تصعيد تدريجي

اعتمد الرئيس دونالد ترامب، الذي ركز على إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية من خلال القوة والضغط الأقصى، نهجًا متعدد الأوجه تجاه مادورو. شمل هذا النهج تهديدات عسكرية، وعقوبات اقتصادية مشددة، وضغوطًا سياسية مباشرة. لم تتوقف الولايات المتحدة عند هذا الحد، بل استخدمت أدواتها القانونية والدبلوماسية لإضعاف النظام الفنزويلي، مثل تصنيف ما يُعرف بـ “كارتل لوس سوليس” كمنظمة إرهابية واعتبار مادورو نفسه رئيسها.

الأسطول الأمريكي والضربات الجوية

بدأت بوادر التصعيد تتضح قبل أشهر من عملية القبض، حيث قامت البحرية الأمريكية بتجميع أسطول كبير قبالة سواحل فنزويلا. كما شنت القوات الأمريكية ضربات جوية ضد ما وصفته بقوارب تهريب المخدرات في كل من البحر الكاريبي والمحيط الهادئ، مصادرة العديد من ناقلات النفط الفنزويلية. هذه الإجراءات اعتبرت بمثابة رسالة واضحة للنظام في فنزويلا، وتأكيدًا على عزم الإدارة الأمريكية على تغيير الوضع القائم.

اتهامات تهريب المخدرات والضغط الاقتصادي

ركزت الإدارة الأمريكية بشكل خاص على اتهام مادورو بالضلوع في تهريب المخدرات، وخاصةً الفنتانيل والكوكايين إلى الولايات المتحدة. في يوليو الماضي، أعلنت الولايات المتحدة عن مكافأة قدرها 50 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى القبض على مادورو، واصفة إياه بأحد أكبر مهربي المخدرات في العالم. بالتوازي مع ذلك، استمرت العقوبات الاقتصادية في الضغط على فنزويلا، مما ساهم في تفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد.

“مبدأ ترامب”: السيطرة على الموارد

في أوائل ديسمبر، كشفت الإدارة الأمريكية عن ما أسمته “مبدأ ترامب المكمّل”، والذي يهدف إلى تأكيد السيطرة الأمريكية على منطقة نصف الكرة الغربي سياسيًا واقتصاديًا وتجاريًا وعسكريًا. ويسمح هذا المبدأ للجيش الأمريكي باستخدام القوة لحماية الوصول إلى الموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والمعادن، في المنطقة. هذا الإعلان عزز المخاوف من أن الولايات المتحدة كانت تستعد لتدخل عسكري مباشر في فنزويلا.

القبض على مادورو: نقطة اللاعودة؟

القبض على مادورو يمثل تصعيدًا خطيرًا وغير مسبوق في الحملة الأمريكية ضد فنزويلا. لا يزال مستقبل النظام الحاكم في فنزويلا مجهولًا، لكن وزير الدفاع الفنزويلي أكد التزام بلاده بمواصلة القتال ومقاومة ما وصفه بالاحتلال الأجنبي. في الوقت نفسه، دعا قادة المعارضة، بمن فيهم الحائزة على جائزة نوبل للسلام ماريا كورينا ماتشادو، إلى دعم انتفاضة شعبية في البلاد.

تاريخ العلاقات المتوترة

تعود جذور الأزمة الحالية إلى فترة حكم هوجو تشافيز في عام 1999. كان تشافيز، ذو التوجه الاشتراكي والمعادي للإمبريالية، مصدر إزعاج للولايات المتحدة من خلال معارضته للحروب الأمريكية في أفغانستان والعراق، وتحالفاته مع دول مثل كوبا وإيران. تصاعدت التوترات بعد اتهام تشافيز للولايات المتحدة بدعم محاولة انقلاب في عام 2002. استمرت هذه التوترات في التفاقم بعد تولي مادورو السلطة في عام 2013، مع استمرار الولايات المتحدة في انتقاد سجل فنزويلا في مجال حقوق الإنسان وتدهور الوضع الاقتصادي.

ما الذي ينتظر فنزويلا؟

الوضع في فنزويلا الآن معقد للغاية وغير مؤكد. على الرغم من القبض على مادورو، لا تزال المؤسسات العسكرية والفنزويلية قائمة. من غير الواضح ما إذا كانت عملية القبض هذه هي بداية صراع أوسع أم مجرد عملية منفصلة. كما أن هناك مخاوف من احتمال وقوع فوضى وتدهور في الوضع الأمني والإنساني في البلاد، مع تدفق محتمل للاجئين وصراعات بين الفصائل المتنافسة. ستكون الأيام والأسابيع القادمة حاسمة في تحديد مستقبل فنزويلا.

شاركها.
Exit mobile version