افتتح استديو “تشكيل” في دبي أبوابه لاستضافة معرض فريد من نوعه، وهو معرض “خط الوسام” للفنان العراقي المبدع وسام شوكت. يستعرض المعرض، الذي يستمر حتى 11 فبراير، رحلة فنية استغرقت أكثر من عقدين من الزمن، مليئة بالبحث والتجريب والتطور المستمر في عالم الخط العربي. هذا المعرض ليس مجرد عرض لأعمال فنية، بل هو توثيق لمسيرة إبداعية فريدة، تعكس شغف الفنان بهذا الفن العريق.

رحلة 22 عاماً من البحث والتطوير في فن الخط

يمثل معرض “خط الوسام” شهادة حية على مسيرة تطور فني امتدت على مدار 22 عاماً. الفنان وسام شوكت لا يقدم “خط الوسام” كنظام مكتمل وثابت، بل كممارسة حية ومتغيرة، تتطور باستمرار من خلال الاستخدام والملاحظة والمراجعة الدائمة. إنه تساؤل مستمر حول كيفية الحفاظ على حيوية الخط العربي وقدرته التعبيرية، وتطلعه نحو المستقبل مع الحفاظ على جذوره الثقافية والجمالية العميقة.

التوازن بين التراث والابتكار في “خط الوسام”

يتميز “خط الوسام” بموقعه الدقيق بين التراث والابتكار. تستمد أشكاله الحرفية جذورها من مصادر تاريخية غنية ومتنوعة، مثل الكوفي المشرقي، والثلث، والديواني الجلي، والطغراء العثمانية. ومع ذلك، لا يقتصر الأمر على إعادة إنتاج هذه الخطوط التقليدية، بل يعيد الفنان قراءة مبادئها وإعادة صياغتها في نظام خطي معاصر. هذا النظام تشكل عبر سنوات من التكرار والتجريب والمراجعة الدقيقة، مستنداً إلى الخبرة العملية والبصرية المباشرة.

رؤية الفنان وسام شوكت

في حديث لـ “الشرق”، عبّر الفنان وسام شوكت عن علاقته العميقة بالحرف العربي، واصفاً إياها بأنها علاقة بحث وتشكّل مستمر. وأضاف: “ليست مقيّدة بإطار الكلاسيكيات وحدها، ولا مفصولة عنها. منذ بداياتي في عالم التصميم والخط، وجدت نفسي مشدوداً إلى نقطة التقاء بين الفن والتجريب، بين التراث والانعتاق منه”.

ويؤكد الفنان أن هدفه لم يكن مجرد استنساخ الجماليات الموجودة، بل تقديم شيء جديد، نابض بالحياة، وأصيل في الوقت نفسه. لذلك، كان دائماً متمرداً على القواعد في محاولة لتقديم أعمال مبتكرة ومختلفة، مستفيداً من الأسس والقواعد التي تعلمها من خلال ممارسته للخط بأنواعه.

نشأة “خط الوسام” وتطوره

نشأ ما أصبح يُعرف لاحقاً باسم “خط الوسام” بشكل عفوي وعضوي، كرد فعل مباشر على حاجة فرضها استخدام الخط العربي في بعض التطبيقات التصميمية والجرافيكية المعاصرة. وجد الفنان أن الخطوط التقليدية، على الرغم من جمالها وقيمتها التاريخية، قد لا تكون مناسبة دائماً لبعض الاستخدامات في التصاميم التجارية أو في سياقات بصرية معينة.

ومن منطلق احترامه العميق لهذه الخطوط، وكونه خطاطاً تدرّب ومارس الخط الكلاسيكي لسنوات طويلة، حرص على احترام قواعدها وعدم تحميلها ما لا تحتمل. لذلك، قرر الفنان أن يتجه نحو ابتكار أشكال جديدة للحروف، مستنداً إلى معرفته وخبرته في الخطوط العربية المختلفة، وفهمه للعلاقات بين الحروف وبنيتها وأشكالها. بدأ بتقديم هذه التجربة منذ عام 2004.

الاستقبال والتطور المستمر

لاحظ الفنان أن الناس بدأوا ينجذبون إلى هذه التصاميم الجديدة، لأنها تقدم قراءة بصرية غير مألوفة للحرف العربي، وتختلف عن الأشكال التقليدية التي اعتادوا رؤيتها. استمر هذا المسار لمدة سبع سنوات، دون أن يتعامل الفنان مع الخط كعمل فني مستقل، بل كأداة وظيفية تهدف إلى تلبية متطلبات التصميم الجرافيكي العربي المعاصر.

لاحقاً، تطور الأمر إلى أسلوب جديد، أسلوب نضج تدريجياً وأخذ وقته الطبيعي. وحتى اليوم، وبعد مرور 22 عاماً، لا يزال الفنان يُدخل تعديلات وتغييرات على “خط الوسام“، معتقداً أن العين تنضج يوماً بعد يوم، ومع كل تأمل جديد للحروف، يجد نفسه بحاجة إلى تحسين وتعديل.

رسالة الفنان وتطلعاته المستقبلية

يختتم الفنان وسام شوكت حديثه قائلاً: “أؤمن أن هذا المسار لا يتوقف، وربما يأتي بعدي شخص آخر، بعد سنوات طويلة، ليضيف ويطور ويغير. وهذا، في رأيي، جزء طبيعي من حياة أي خط حي”.

وسام شوكت هو فنان محترف في فن الخط العربي، ولد في البصرة (العراق) عام 1974. بدأ مسيرته مع هذا الفن في العاشرة من عمره، وحاز على العديد من الجوائز عن أعماله المتميزة. كما شارك كفنان وعضو في لجان التحضير والتحكيم في دورات مختلفة من بينالي الشارقة لفن الخط العربي ومعرض دبي الدولي للخط العربي، بالإضافة إلى فعاليات أخرى.

معرض “خط الوسام” هو فرصة لا تعوض لمحبي الخط العربي والمهتمين بالفن المعاصر للاطلاع على تجربة فنية فريدة، تجمع بين الأصالة والابتكار، وتعكس شغف الفنان وسام شوكت بهذا الفن العريق. ندعوكم لزيارة استديو “تشكيل” في دبي قبل 11 فبراير للاستمتاع بهذا المعرض المتميز.

شاركها.
Exit mobile version