منذ ظهوره الأول بوجه ملثم وصوت أجهش، أصبح “أبو عبيدة” رمزًا بارزًا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. الناطق العسكري باسم كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس”، اكتسب شهرة واسعة، خاصة خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وأصبحت بياناته العسكرية منتظرة بشدة. هذه المقالة تستعرض مسيرة أبو عبيدة، من نشأته كطالب جامعي إلى قيادته العسكرية، وصولًا إلى اغتياله وتداعيات ذلك.
من هو أبو عبيدة؟ نشأته وتدرجه في صفوف حماس
حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، الاسم الحقيقي الذي كشفت عنه حركة “حماس” بعد سنوات من الغموض، ولد في 11 فبراير 1985 في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، لعائلة تنحدر من مدينة المجدل في عسقلان. بدأ ارتباطه بحركة “حماس” في سن مبكرة، خلال دراسته في المرحلة الثانوية، حيث كان عضوًا نشطًا في “الكتلة الإسلامية”، الجناح الطلابي للحركة. بعد ذلك، انضم إلى “كتائب القسام” في جباليا، وتدرج في صفوفها ليصبح الناطق الرسمي باسمها في عام 2002.
التعليم والتكوين الشخصي
حصل أبو عبيدة على درجة الماجستير في أصول الدين من الجامعة الإسلامية في غزة، مما يعكس اهتمامه بالعلم والمعرفة الدينية. يصفه قيادي بارز في “حماس” بأنه كان يتمتع بشخصية فريدة تجمع بين الجدية العسكرية وروح الدعابة، مما ساهم في كسبه احترام وتقدير زملائه ومقاتليه.
محطات بارزة في مسيرة أبو عبيدة الإعلامية والعسكرية
لعب أبو عبيدة دورًا محوريًا في العديد من الأحداث الهامة خلال مسيرته. من أبرزها إعلانه عن عملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في يونيو 2006، والتي نفذتها “حماس” بالتعاون مع فصائل فلسطينية أخرى. هذه العملية هزت أركان إسرائيل وأدت في النهاية إلى صفقة تبادل أسرى تاريخية في عام 2012، أُطلق فيها سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني، بينهم قادة بارزين في “حماس”. هذا الحدث عزز مكانة أبو عبيدة كشخصية مؤثرة وقادرة على تحقيق إنجازات ميدانية.
على مر أكثر من 20 عامًا، اشتهر أبو عبيدة بخطاباته النارية والتهديدات المباشرة لإسرائيل، مما جعله رمزًا للمقاومة في قطاع غزة. ومع بداية هجمات 7 أكتوبر 2023، عاد ليظهر بوضوح، معلنًا تفاصيل العملية التي أطلقتها حركة “حماس”، والتي تبعتها حرب إسرائيلية مدمرة على غزة.
أبو عبيدة خلال حرب غزة الأخيرة: من الناطق العسكري إلى قائد ميداني
مع تصاعد وتيرة الحرب على غزة، ازدادت أهمية دور أبو عبيدة كوجه إعلامي للمقاومة، وحظيت بياناته ومقاطع الفيديو التي ينشرها بمتابعة واسعة النطاق في جميع أنحاء العالم. وبحسب مصادر مطلعة داخل “حماس”، لم يقتصر دور أبو عبيدة على كونه ناطقًا عسكريًا، بل أصبح أحد القادة البارزين في “كتائب القسام”، وشارك بشكل فعال في عملية صنع القرار داخل المجلس العسكري للحركة.
وتشير المصادر إلى أنه كان مقربًا جدًا من القادة الميدانيين الذين استهدفهم الاحتلال الإسرائيلي، مثل محمد الضيف ومروان عيسى ومحمد السنوار، وتعرض بدوره لعدة محاولات اغتيال. هذه المعلومات تؤكد التطور الكبير الذي شهدته شخصية أبو عبيدة خلال الحرب، وتحوله من متحدث رسمي إلى قائد مؤثر على الأرض.
اغتيال أبو عبيدة وتداعياته
في 30 أغسطس 2025، أعلنت إسرائيل عن اغتيال أبو عبيدة في غارة جوية استهدفت بناية في حي الرمال غربي مدينة غزة. واعتبرت إسرائيل هذه الضربة بمثابة “صفعة قاسية” لجهاز القسام الإعلامي. ومع ذلك، حافظت “حماس” على صمتها، ولم تؤكد أو تنفِ خبر اغتياله، متبعة سياسة الحركة في التعامل مع مثل هذه الحالات، وفقًا لما صرح به مسؤول في “حماس”.
خلافة أبو عبيدة وتشكيل قيادة جديدة
أعلنت حركة “حماس” عن نعي خمسة من كبار قادة “كتائب القسام”، من بينهم حذيفة الكحلوت أبو عبيدة، وتعيين متحدث جديد للجناح العسكري، احتفظ بلقب “أبو عبيدة”، وذلك في إطار استمراريتها وتحديث قيادتها. وأكدت الحركة أنها قامت بملء الفراغات القيادية العامة والمناطقية من خلال تعيين قادة جدد، وفقًا لآلية تنظيمية محكمة وأنظمة ولوائح حركية، بالإضافة إلى نتائج الانتخابات الداخلية الأخيرة.
إن استمرار استخدام اسم أبو عبيدة من قبل المتحدث الجديد يعكس أهمية هذه الشخصية الرمزية في تاريخ “حماس” وكتائب القسام، ويؤكد على استمرار مسيرة المقاومة الفلسطينية. تتواصل الأحداث في غزة وتسعى الحركة للحفاظ على زخمها وتوحيد صفوفها.


