شهدت إيران خلال الأيام القليلة الماضية تصاعدًا ملحوظًا في الاحتجاجات الشعبية، مدفوعة بتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع الأسعار. وتزامن هذا التصعيد مع تصريحات للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، تعهد فيها بالتدخل “لإنقاذ المتظاهرين السلميين” في حال تعرضهم للقمع العنيف من قبل السلطات الإيرانية. هذه التطورات تلقي بظلالها على المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد، وتثير تساؤلات حول مستقبل الاحتجاجات في إيران، وكيفية تعامل الحكومة مع هذه الأزمة المتفاقمة.

الاحتجاجات في إيران وتصريحات ترامب

بدأت الشرارة الأولى للاحتجاجات في إيران مع احتجاج أصحاب المتاجر على تدهور قيمة الريال الإيراني وارتفاع مستويات التضخم، التي تجاوزت 40% في ديسمبر الماضي. وسرعان ما اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل مطالب أوسع تتعلق بالحريات السياسية والاقتصادية، وتنديد بالفساد وسوء الإدارة. وقد ردت السلطات الإيرانية على الاحتجاجات بقمع عنيف، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى واعتقالات واسعة النطاق.

وفي هذا السياق، أعلن دونالد ترامب، عبر منصة Truth Social، أن الولايات المتحدة ستتدخل لنجدة المتظاهرين السلميين إذا “أطلقت إيران النار عليهم وقتلتهم بعنف”. وأضاف: “نحن على أهبة الاستعداد”. هذه التصريحات جاءت في وقت تزداد فيه التوترات بين واشنطن وطهران، وتفرض فيه الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية صارمة على إيران.

تصعيد العنف وضحايا الاحتجاجات

تشير التقارير الواردة من وسائل الإعلام الإيرانية ومنظمات حقوقية إلى أن الاحتجاجات الحالية هي الأكبر في البلاد منذ عام 2022، عندما اندلعت مظاهرات حاشدة إثر وفاة مهسا أميني. وقد تصاعدت حدة العنف بين المتظاهرين وقوات الأمن في عدة مدن إيرانية.

فقد أفادت وكالة أنباء “فارس” شبه الرسمية بمقتل 3 متظاهرين وإصابة 17 آخرين خلال هجوم على مركز شرطة في إقليم لورستان غرب إيران. وأوضحت الوكالة أن “مثيري شغب” دخلوا مقر الشرطة واشتبكوا مع قوات الأمن وأضرموا النيران في عدة مركبات.

كما أعلن الحرس الثوري الإيراني عن مقتل أحد عناصر وحدة “الباسيج” وإصابة 13 آخرين في كهدشت، واتهم المتظاهرين باستغلال الاحتجاجات لتحقيق أهداف تخريبية أخرى. واندلعت احتجاجات أيضًا في مرودشت بإقليم فارس الجنوبي، بينما ألقت السلطات القبض على متظاهرين في أقاليم كرمانشاه وخوزستان وهمدان بغرب البلاد، وفقًا لمصادر حقوقية.

دعوة الحكومة الإيرانية إلى الحوار

في محاولة لتهدئة الأوضاع المتفاقمة، أعربت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان عن رغبتها في إجراء حوار مع المتظاهرين. وأقرّ بيزشكيان بالصعوبات الاقتصادية الكبيرة التي تواجه البلاد، وتحديدًا الانخفاض الحاد في قيمة الريال الإيراني، الذي وصل إلى أدنى مستوياته مسجلاً حوالي 1.4 مليون أمام الدولار.

وأضاف الرئيس الإيراني أنه ليس هناك الكثير مما يمكنه القيام به في ظل هذه الظروف الصعبة، مشيرًا إلى تداعيات العقوبات الدولية الصارمة على الاقتصاد الإيراني. وأعلنت الحكومة أنها ستنشئ “آلية حوار” مع قادة المظاهرات، دون الإفصاح عن تفاصيل كيفية عمل هذه الآلية.

التحديات التي تواجه الحوار

على الرغم من دعوة الحكومة الإيرانية إلى الحوار، إلا أن هناك العديد من التحديات التي قد تعيق هذا الحوار. من بين هذه التحديات عدم وجود ثقة بين الحكومة والمتظاهرين، واستمرار القمع العنيف ضد المتظاهرين، والغموض بشأن طبيعة “آلية الحوار” المقترحة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التصريحات النارية الصادرة عن بعض المسؤولين الإيرانيين، والتي تتهم المتظاهرين بالخيانة والتخريب، قد تزيد من صعوبة تحقيق أي تقدم في الحوار.

مخاطر التصعيد وتداعياته المحتملة

يشكل التصعيد الحالي في الاحتجاجات في إيران خطرًا حقيقيًا على استقرار البلاد ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها. فإذا استمرت الحكومة الإيرانية في قمع الاحتجاجات بعنف، فقد يؤدي ذلك إلى اندلاع مواجهات أكثر دموية، وتصاعد حدة التوترات الداخلية.

من ناحية أخرى، فإن أي تدخل خارجي، وخاصة من قبل الولايات المتحدة، قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع، وتحويل الاحتجاجات الشعبية إلى صراع إقليمي أوسع نطاقًا. يتطلب الوضع الحالي تعاملًا حذرًا ومسؤولًا من جميع الأطراف، يهدف إلى تهدئة الأوضاع، وحماية حقوق الإنسان، وإيجاد حلول سياسية واقتصادية مستدامة للأزمة التي تواجه الاحتجاجات في إيران.

ومن المهم مراقبة التطورات على الأرض، وتقييم مدى جدية الحكومة الإيرانية في عرضها للحوار، وكيفية استجابة المتظاهرين لهذا العرض. كما يجب على المجتمع الدولي الضغط على الحكومة الإيرانية لوقف القمع العنيف ضد المتظاهرين، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن دعم الجهود الرامية إلى إيجاد حلول اقتصادية للأزمة التي تواجه البلاد، قد يساعد في تخفيف حدة التوترات، ومنع المزيد من التصعيد. الوضع في إيران يتطلب حلولًا شاملة وواقعية، تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف.

شاركها.
Exit mobile version