تُعدّ السلوكيات التخريبية الذاتية، مثل قضم الأظافر، والتسويف، والكمالية المفرطة، من الأمور التي لطالما نُظِر إليها على أنها عيوب شخصية أو مؤشرات على ضعف. لكن تحليلًا نفسيًا حديثًا يقدم منظورًا مختلفًا تمامًا، حيث يرى أن هذه السلوكيات ليست خللاً بقدر ما هي امتداد مباشر لغرائز البقاء المتأصلة في الدماغ البشري. هذا التحول في الفهم يفتح آفاقًا جديدة لفهم أنفسنا وعلاج هذه السلوكيات بطرق أكثر فعالية وتعاطفًا.
السلوك التخريبي الذاتي: آلية حماية أم خلل؟
في كتابه الجديد “Controlled Explosions in Mental Health” (الانفجارات المسيطر عليها في الصحة العقلية)، يقدم عالم النفس الإكلينيكي الدكتور تشارلي هيريوت-مايتلاند رؤية ثورية حول السلوكيات التخريبية الذاتية. يشير هيريوت-مايتلاند إلى أن هذه السلوكيات ليست مجرد عادات سيئة، بل هي آليات حماية تطورت عبر آلاف السنين لضمان بقائنا. لقد توصل إلى الأسس البيولوجية والعصبية لهذه السلوكيات، مؤكدًا أنها استجابات طبيعية للدماغ لمحاولة التعامل مع التهديدات، حتى لو كانت هذه الاستجابات تبدو مدمرة على المدى القصير.
الدماغ: آلة بقاء وليست آلة سعادة
يؤكد هيريوت-مايتلاند أن الدماغ البشري لم يتطور بهدف تحقيق السعادة أو الرفاه، بل بهدف واحد أساسي: البقاء على قيد الحياة. الدماغ هو “آلة بقاء” مبرمجة للعمل في بيئة يمكن التنبؤ بها، ويتجنب المفاجآت والتهديدات غير المتوقعة. لذلك، عندما يشعر الدماغ بالتهديد، فإنه يلجأ إلى آليات مختلفة لحماية نفسه، حتى لو كانت هذه الآليات تنطوي على إحداث أضرار صغيرة ومسيطر عليها.
على سبيل المثال، الشخص الذي يؤجل البدء في مشروع مهم قد يكون في الواقع يحاول حماية نفسه من خطر الفشل أو الرفض. الضرر هنا معروف ومحدود، ويمكن التحكم فيه، وهو ما يفضله الدماغ على مواجهة تهديد مجهول أو خارج السيطرة. هذا يفسر أيضًا لماذا يعاني الكثيرون من التسويف كآلية للتكيف مع القلق والتوتر.
التهديد غير المتوقع: أخطر ما يواجهه الدماغ
يرى هيريوت-مايتلاند أن أكثر الحالات هشاشة بالنسبة للإنسان ليست مجرد التعرض للخطر، بل التعرض لخطر غير متوقع. في هذه الحالة، يتدخل الدماغ ليمنحنا نسخة أكثر قابلية للتحكم من التهديد. الدماغ يفضل أن نخلق سقوطنا بأنفسنا، بدلاً من أن نفاجأ بسقوط تفرضه علينا عوامل خارجية. اليقين بتهديد معروف، مهما كان مؤلمًا، أهون من احتمال تهديد غير معروف وخارج السيطرة.
أشكال السلوك التخريبي الذاتي: التسويف والكمالية والنقد الذاتي
هناك العديد من الأشكال التي تتخذها السلوكيات التخريبية الذاتية. التسويف، على سبيل المثال، يبعد الانتباه عن المهمة لتأجيل المواجهة مع التهديد المحتمل. الكمالية (السعي للكمال أو المثالية) تدفع إلى تركيز مفرط على التفاصيل بهدف تفادي الخطأ، لكنها في جوهرها تسعى أيضًا لتجنب الفشل، مما يعرض أصحابها لضغوط نفسية شديدة واحتمالات الاحتراق النفسي. الكمالية، على الرغم من مظهرها الإيجابي، يمكن أن تكون شكلاً من أشكال الحماية الذاتية.
النقد الذاتي يمثل شكلاً آخر من التخريب، سواء أتى في صورة محاولة تحسين الذات أو جلدها. في الحالتين، يسعى الفرد إلى خلق شعور بالسيطرة والفاعلية، لكن ذلك يحدث عبر “اختطاف عصبي” حين يسيطر نظام الاستجابة للتهديد في الدماغ على وظائف معرفية أعلى. عندما يشعر الإنسان بالخوف، تمتلئ مخيلته فوراً بسيناريوهات تنبؤية سلبية مرتبطة بالتهديد.
تحويل السلوكيات التخريبية إلى نبوءات تحقق ذاتها
يحذر هيريوت-مايتلاند من أن هذه السلوكيات قد تتحول إلى نبوءات تحقق ذاتها. إذا اعتقد الشخص أنه غير كفء في أمر ما، فربما لا يبذل جهده الكامل، فيؤدي أداء أسوأ مما كان سيحققه لو تبنى توقعاً مختلفاً. التعامل مع هذه السلوكيات لا يبدأ بمحاربتها أو محاولة القضاء عليها، بل بفهم وظيفتها الوقائية أولاً.
التعاطف مع الذات: مفتاح التغيير
يرى هيريوت-مايتلاند أن التدخلات النفسية الفعالة يجب أن تركز على معالجة الألم العاطفي الكامن خلف هذه السلوكيات، مع الإقرار بأن هذا المسار ليس سهلاً ولا يقدم حلولاً سريعة. الخروج من حلقة السلوك التخريبي الذاتي لا يتحقق بمزيد من النقد الذاتي، بل عبر التعاطف مع الذات. يجب على الإنسان أن يتعمد أولاً ملاحظة السلوك وفهمه، وغرس الدوافع القائمة على التعاطف.
من خلال فهم الأساس التطوري لهذه السلوكيات، يفتح هذا الطرح الباب للاعتراف بالدور الوقائي الذي لعبته في مرحلة ما، مع معالجة الأذى الذي سببته دون إصدار أحكام. الهدف ليس محاربة هذه السلوكيات ولا استرضاءها، بل إدراك أن أمامنا خيارات حقيقية في كيفية التعامل معها، خيارات تبدأ بالفهم وتنتهي باستعادة قدر أكبر من الحرية النفسية.


