مع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تتجدد التساؤلات حول خيارات واشنطن العسكرية المحتملة، لا سيما مع حديث الرئيس السابق دونالد ترمب عن عملية برية في إيران. هذا الحديث أعاد إلى الأذهان وبقوة ذكرى عملية “مخلب النسر” الفاشلة، والتي تمثّل إحدى أبرز الكوارث العسكرية الأمريكية بعد أكثر من أربعة عقود. محاولة استعادة الرهائن في طهران عام 1979 انتهت بكارثة ميدانية وسياسية في الصحراء الإيرانية، مما يثير اليوم تساؤلات حاسمة حول قدرة واشنطن على تجنب تكرار هذا السيناريو المعقد.

مخلب النسر: كابوس الماضي يعود

تُعدّ عملية “مخلب النسر” التي جرت عام 1980، محاولة أمريكية فاشلة لإنقاذ 52 رهينة دبلوماسية كانت محتجزة في طهران. هذه العملية العسكرية “السرية” كان يُعول عليها الكثير لإنهاء أزمة الرهائن الطويلة، إلا أنها تحولت إلى فشل ذريع مع اصطدام مروحية بطائرة نقل، مما أدى إلى مقتل ثمانية جنود أمريكيين قبل أن تصل القوات إلى هدفها. اليوم، يعود هذا الفشل ليشكّل تحذيراً لواشنطن وهي تفكر في إمكانية عملية برية في إيران، خاصةً مع الحديث عن خيارات تتجاوز الضربات الجوية والبحرية، وتشمل إرسال آلاف الجنود لتأمين مضيق هرمز أو السيطرة على جزيرة خرج الإيرانية.

تأتي تصريحات ترمب الأخيرة حول “الحصول على نفط إيران” والسيطرة على جزيرة خرج لتزيد من تعقيد المشهد. هذه الجزيرة، التي تُعد مركزاً رئيسياً لتصدير النفط الإيراني، كانت وما زالت في صلب اهتمامات الاستراتيجيين الأمريكيين. ومع ذلك، تشير تقارير إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في القوة العسكرية بحد ذاتها، بل في الجغرافيا الإيرانية المعقدة وصعوبة تنفيذ أي عملية برية في إيران. هذه التحديات الجغرافية كانت السبب الرئيسي في تحول خطة “مخلب النسر” المحدودة إلى أزمة ميدانية.

طبيعة الجغرافيا الإيرانية وتحدياتها العسكرية

إن التضاريس الإيرانية الوعرة، صحاريها المترامية الأطراف، وسلاسلها الجبلية الشاهقة، تشكل عائقاً طبيعياً ضخماً أمام أي قوة غازية. هذا ما حدث تماماً في عملية “مخلب النسر”، عندما واجهت القوات الأمريكية عواصف رملية ضخمة تسببت في أعطال فنية للمروحيات وتسببت في تقليل عددها بشكل حرج. التحول السريع للحسابات النظرية إلى معضلة استراتيجية هو ما يثير القلق اليوم. فكيف يمكن للخطط العسكرية الأمريكية أن تتأقلم مع هذه الجغرافيا، وهل تعلمت واشنطن من تجربتها السابقة عند التفكير في عملية برية في إيران؟

أزمة الرهائن 1979: نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الإيرانية

بدأت أزمة الرهائن في 4 نوفمبر 1979، عندما اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا 66 دبلوماسياً احتجاجاً على استضافة الولايات المتحدة للشاه محمد رضا بهلوي. بقي عشرات الرهائن محتجزين لأكثر من عام، مما شكل اختباراً قاسياً لإدارة الرئيس جيمي كارتر. مع تعثر المسارات السياسية والدبلوماسية، لجأ كارتر إلى الخيار العسكري بإطلاق عملية “مخلب النسر”. هذه العملية، التي اعتمدت على السرية والمفاجأة والتنسيق المعقد بين طائرات نقل ومروحيات وقوات اقتحام، كانت محاولة يائسة لحل الأزمة.

كانت “مخلب النسر” تتضمن قوة هجومية من 118 فرداً من قوات “دلتا فورس” ووحدات أخرى، كان من المقرر أن تهبط طائرات النقل في موقع صحراوي يُدعى “ديزرت وان” للتزود بالوقود، ثم تلتقي بثماني مروحيات من حاملة الطائرات USS Nimitz. في 24 أبريل 1980، واجهت القوة مشكلات متسارعة؛ احتجاز مدنيين إيرانيين، حريق شاحنة وقود، ثم عاصفة غبار كثيفة أدت إلى أعطال فنية في المروحيات، مما قلل عددها إلى 5 فقط، وهو أقل من الحد الأدنى المطلوب. الكارثة الكبرى وقعت عند الاصطدام بين مروحية وطائرة نقل، مما أزهق أرواح 8 جنود أمريكيين.

الوساطة الجزائرية وإنهاء الأزمة

بعد فشل “مخلب النسر”، تحولت الأنظار مجدداً إلى الحل الدبلوماسي. تصاعدت وتيرة المفاوضات في الجزائر بين ديسمبر 1980 ويناير 1981، بمساعدة الوسيط الجزائري. أسفرت المفاوضات عن توقيع “إعلان الجزائر” في 19 يناير، الذي تضمن إنشاء حسابات ضمان واستعادة مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة. في اليوم التالي مباشرة، ومع أداء الرئيس رونالد ريجان اليمين الدستورية، أُفرج عن الرهائن، ليُنهى بذلك أصعب فصول الأزمة.

تأثير “مخلب النسر” على السياسة الأمريكية

كانت أزمة الرهائن في إيران، وفشل “مخلب النسر” بشكل خاص، عاملَيْن رئيسيين في خسارة جيمي كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريجان عام 1980. لقد أضعفت هذه الأحداث صورة كارتر كقائد قوي قادر على حل الأزمات الدولية، حيث بقيت الأزمة تتفاقم لمدة 444 يوماً خلال فترة رئاسته. كما أثرت الأزمة على حملة كارتر الانتخابية من خلال إبقائه محتجزاً في البيت الأبيض، بعيداً عن جولات الحملة الانتخابية.

يشير الأرشيف الوطني للولايات المتحدة ومذكرات كارتر نفسه إلى أن أزمة الرهائن كانت من بين العوامل الأساسية التي ساهمت في هزيمته الانتخابية، إلى جانب التضخم الاقتصادي والغزو السوفييتي لأفغانستان. ورغم وجود نظريات “مفاجأة أكتوبر” التي تشير إلى محاولات لتأخير الإفراج عن الرهائن لتحقيق مكاسب انتخابية، إلا أن التحقيقات اللاحقة لم تجد أدلة موثوقة تدعم هذه الادعاءات. تبقى عملية “مخلب النسر” الفاشلة درساً قاسياً في تاريخ العسكرية الأمريكية، ومرجعاً مهماً عند الحديث عن أي عملية برية في إيران مستقبلاً.

في الختام، بينما تلوح خيارات عملية برية في إيران في الأفق، فإن الدروس المستفادة من عملية “مخلب النسر” يجب أن تكون حاضرة بقوة في أذهان صانعي القرار في واشنطن. إن تعقيدات الجغرافيا، والمخاطر اللوجستية، والتداعيات السياسية لأي تدخل عسكري واسع النطاق في إيران، تتطلب حذراً شديداً وتخطيطاً استراتيجياً يتجاوز مجرد القوة العسكرية. فالاختلاف بين النظرية والتطبيق يمكن أن يكون كارثياً، كما أظهر التاريخ في صحراء إيران.

شاركها.
Exit mobile version