شهد سوق الذهب ارتفاعاً تاريخياً، حيث تجاوزت أسعاره حاجز 4967 دولاراً للأوقية في التعاملات المبكرة يوم الجمعة، متجهاً نحو تحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 8%. يأتي هذا الارتفاع مدفوعاً بتصاعد المخاطر الجيوسياسية، والشكوك حول استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى عمليات التخارج من العملات والسندات، مما عزز من جاذبية الذهب كملاذ آمن للمستثمرين. هذا الأداء القوي يضع الذهب على مسار تحقيق أعلى مستوى له على الإطلاق، ويثير تساؤلات حول مستقبل هذا المعدن الثمين في ظل التقلبات الاقتصادية والسياسية العالمية.
ارتفاع قياسي للذهب: عوامل الدفع الرئيسية
لم يكن هذا الارتفاع مفاجئاً للكثيرين، خاصةً بعد الأداء الاستثنائي الذي حققه الذهب في عام 2023، والذي كان الأفضل له منذ عام 1979. العديد من العوامل تتضافر لخلق هذه الظروف الاستثنائية، بدءاً من التوترات الجيوسياسية المتزايدة في مناطق مثل فنزويلا وإيران، وصولاً إلى المخاوف بشأن السياسات النقدية في الولايات المتحدة. كما أن ضعف الدولار الأمريكي، الذي انخفض مؤشر رئيسي له بنسبة 0.8% منذ بداية الأسبوع، ساهم بشكل كبير في جعل الذهب أكثر جاذبية للمشترين من مختلف أنحاء العالم.
المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على أسعار الذهب
تعتبر المخاطر الجيوسياسية تقليدياً محركاً رئيسياً لأسعار الذهب. في أوقات عدم اليقين السياسي والاقتصادي، يلجأ المستثمرون إلى الأصول الآمنة مثل الذهب لحماية ثرواتهم. الوضع الحالي، مع تصاعد التوترات في عدة مناطق حول العالم، يزيد من هذا الشعور بعدم اليقين، وبالتالي يدفع الطلب على الذهب إلى الارتفاع. الخلافات التجارية، والنزاعات الإقليمية، والتدخلات السياسية، كلها عوامل تساهم في زيادة المخاطر الجيوسياسية وتعزيز دور الذهب كملاذ آمن.
تأثير تصريحات ترمب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي
أضافت الهجمات المتجددة التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي المزيد من الضغط على الأسواق. يثير تدخل الرئيس في السياسة النقدية مخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي، وهو أمر بالغ الأهمية للحفاظ على استقرار الاقتصاد. عندما يشك المستثمرون في استقلالية البنك المركزي، فإنهم يميلون إلى البحث عن أصول بديلة مثل الذهب لحماية استثماراتهم من التداعيات المحتملة.
أداء المعادن الثمينة الأخرى
لم يقتصر الارتفاع على الذهب وحده، بل امتد ليشمل المعادن الثمينة الأخرى. فقد ارتفع سعر الفضة إلى أعلى مستوياته على الإطلاق، مقترباً من 100 دولار للأوقية، كما سجل البلاتين رقماً قياسياً جديداً. يعكس هذا الأداء القوي للمعادن الثمينة بشكل عام، الثقة المتزايدة في هذه الأصول كمخزن للقيمة في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية. الطلب المتزايد على الفضة، مدفوعاً بالاستخدامات الصناعية والاستثمارية، ساهم في هذا الارتفاع الكبير.
توقعات مستقبلية لأسعار الذهب
يرى خبراء الاقتصاد أن الذهب سيستمر في الارتفاع في المستقبل القريب، مدفوعاً بالعوامل التي ذكرناها سابقاً. وقد رفعت مجموعة “جولدمان ساكس” توقعاتها لسعر الذهب بنهاية العام إلى 5400 دولار للأوقية، مقارنة بتقدير سابق عند 4900 دولار، وذلك بسبب تصاعد الطلب من المستثمرين من القطاع الخاص والبنوك المركزية. يوشوان تانج، رئيس قسم الاستراتيجية الكلية لمنطقة آسيا في بنك “جي بي مورجان”، يرى أن الذهب يشهد “إعادة تقييم مستمرة” مع ظهور تصدعات في النظام القائم على القواعد الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. ويضيف أن المستثمرين ينظرون بشكل متزايد إلى الذهب على أنه “حماية موثوقة ضد مخاطر تغيير النظام التي يصعب قياسها”.
تحذيرات من هشاشة الأسعار
على الرغم من التوقعات الإيجابية، يحذر بعض الخبراء من أن أسعار الذهب قد تكون هشة إلى حد ما. أحمد عسيري، الخبير الاستراتيجي لدى شركة “بيبرستون جروب”، يرى أن “إمدادات الذهب ليست كافية ببساطة لمعادلة التوترات السياسية والسوقية في الولايات المتحدة”. ويضيف أن هناك “إدراكاً متزايداً بأن القوى الأوروبية المتوسطة لم تعد بالضرورة جالسة على طاولة المفاوضات”، مشيراً إلى أنها “تخاطر بأن تصبح جزءاً من قائمة الدول المستبعدة بدلاً من المشاركة”.
في الختام، يشهد الذهب فترة ازدهار غير مسبوقة، مدفوعاً بمجموعة من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية. في حين أن التوقعات المستقبلية إيجابية، يجب على المستثمرين أن يكونوا على دراية بالمخاطر المحتملة وأن يتخذوا قراراتهم الاستثمارية بحذر. من المهم متابعة التطورات العالمية وتحليل تأثيرها على أسعار الذهب لاتخاذ قرارات مستنيرة.


