اكتشاف مذهل هزّ أوساط علم الفلك، حيث رصد فريق دولي من العلماء، بقيادة باحثين كنديين، ظاهرة كونية جديدة وغير متوقعة تتعلق بـعناقيد المجرات. هذا الرصد قد يدفع إلى إعادة التفكير في النماذج السائدة حول كيفية تشكل هذه الهياكل الضخمة في الكون.

ما هي عناقيد المجرات وأهميتها؟

عناقيد المجرات تعتبر أكبر التجمعات المرتبطة بالجاذبية في الكون. تتكون هذه العناقيد من مئات، بل آلاف، المجرات، بالإضافة إلى كميات هائلة من الغاز الساخن جداً والمادة المظلمة. كل هذه المكونات مرتبطة ببعضها البعض بواسطة قوى الجاذبية. دراسة هذه العناقيد ضرورية لفهم تطور المجرات وبنية الكون على نطاق واسع. فهي تساعدنا في تتبع كيفية توزيع المادة والطاقة في الكون عبر الزمن.

اكتشاف عنقود مجرات “فتي” يثير الدهشة

لقد رصد الباحثون عنقود مجرات يعود تاريخه إلى حوالي 1.4 مليار سنة فقط بعد الانفجار العظيم، وهو ما يجعله من بين أقدم العناقيد التي تم اكتشافها. المفاجأة الكبرى كانت في وجود سحابة ضخمة من الغاز الساخن تحيط بهذا العنقود، ودرجة حرارة هذا الغاز تجاوزت التوقعات بناءً على النظريات الحالية بخمسة أضعاف، بل وحتى أعلى من درجة حرارة الغاز في العديد من عناقيد المجرات الناضجة في الكون الحالي.

هذا الاكتشاف، الذي نشر في مجلة “نيتشر” المرموقة، يتحدى الفهم التقليدي لتطور عناقيد المجرات. فالنماذج الحالية تفترض أن هذه الدرجات العالية من حرارة الغاز لا تظهر إلا في المراحل المتأخرة من عمر الكون، عندما تكون العناقيد قد استقرت وتطورت بشكل كامل.

الثقوب السوداء النشطة.. المحرك الرئيسي لهذه الظاهرة؟

المؤلف الرئيسي للدراسة، داتشي تشو من جامعة كولومبيا البريطانية، أكد أن الفريق البحثي لم يكن يتوقع مطلقاً العثور على غلاف غازي بهذه السخونة في هذه الفترة المبكرة من عمر الكون. في البداية، كان هناك شك في دقة الإشارة التي التقطتها الأجهزة بسبب قوتها الشديدة. لكن بعد أشهر من التحليل والتحقق الدقيق، تأكد العلماء أن الغاز المرصود أكثر سخونة بكثير مما تنبأت به النماذج النظرية.

ويرجح الباحثون أن هذا الاكتشاف يشير إلى وجود عمليات ضخمة للطاقة في الكون المبكر، ناتجة على الأرجح عن نشاط ثلاثة ثقوب سوداء فائقة الكتلة تم اكتشافها حديثاً داخل هذا العنقود. هذه الثقوب السوداء النشطة كانت تطلق كميات هائلة من الطاقة في البيئة المحيطة، مما أدى إلى إعادة تشكيل العنقود بطريقة أسرع وأكثر عنفاً مما كان متصوراً.

عنقود SPT2349-56: “عنقود رضيع” مليء بالطاقة

تركزت الدراسة على عنقود مجرات يُعرف باسم SPT2349-56، والذي يمكن وصفه بأنه “عنقود رضيع” نظراً لصغر عمره. لرصد هذا النظام البعيد، استخدم الباحثون مصفوفة تلسكوبات أتاكاما المليمترية وتحت المليمترية، وهي شبكة متطورة من التلسكوبات الراديوية. وقد أتاح هذا الرصد الفريد قياسًا دقيقًا لخصائص الغاز في أعماق الكون المبكر.

على الرغم من صغر سنه، يُعد هذا العنقود ضخمًا بشكل ملحوظ، حيث يمتد قلبه لمسافة تقارب 500 ألف سنة ضوئية، وهو حجم مشابه تقريبًا للهالة المحيطة بمجرتنا درب التبانة. ويضم العنقود أكثر من 30 مجرة نشطة، ويشهد معدل تكوّن نجوم يفوق ما يحدث في مجرتنا بأكثر من 5000 مرة، وكل ذلك ضمن منطقة مدمجة نسبيًا، مما يجعله مختبرًا كونياً فريدًا لدراسة بداية تشكل الهياكل الكبيرة في الكون.

تأثير سونيايف-زيلدوفيتش: أداة لقياس الطاقة الحرارية

اعتمد الباحثون في تحليلهم على ظاهرة فيزيائية تُعرف بـ”تأثير سونيايف-زيلدوفيتش” (Sunyaev-Zeldovich effect)، وهي أداة كونية مهمة تمكن علماء الفلك من قياس الطاقة الحرارية للغاز الموجود بين المجرات داخل العناقيد. ومن خلال هذا التأثير، تمكن الفريق البحثي من تقدير حرارة الوسط داخل العنقود بدقة، وتأكيد أنه أعلى بكثير من المتوقع.

الآثار المترتبة على فهم المجرات وتطور الكون

أكد سكوت تشابمان، أحد المشاركين في الدراسة، أن فهم عناقيد المجرات يمثل مفتاحًا لفهم أكبر المجرات في الكون. غالبًا ما تعيش هذه المجرات العملاقة داخل العناقيد، ويتأثر مسار تطورها بشكل كبير بالبيئة القاسية التي تتشكل فيها، بما في ذلك الغاز الساخن الذي يملأ الفراغات بينها. لذا، أي خلل في نماذج تشكل العناقيد ينعكس مباشرة على فهمنا لكيفية نشأة المجرات.

وفقاً للنماذج التقليدية، تتجمع كميات هائلة من الغاز تدريجياً لتكوين الوسط بين المجرات داخل العنقود، ثم ترتفع حرارته بفعل التفاعلات الجاذبية مع نضوج العنقود. لكن الاكتشاف الجديد يشير إلى أن “ولادة” عناقيد المجرات قد تكون أكثر عنفًا وانفجارية، وأن عمليات التسخين القوي قد تبدأ في وقت أبكر، ربما بسبب نشاط الثقوب السوداء الفائقة الكتلة وتكوين النجوم المحموم.

خطط مستقبلية للبحث والدراسة

يخطط الفريق البحثي الآن لمواصلة دراسة هذا العنقود الفريد، والتعمق في فهم كيفية تفاعل العناصر المختلفة التي تحدث فيه، مثل التكوين النجمي الكثيف، ونشاط الثقوب السوداء، والغلاف الغازي شديد السخونة. ويتساءل داتشي تشو كيف يمكن لكل هذه العمليات أن تحدث في وقت واحد داخل نظام فتي ومضغوط بهذا الشكل، وما الذي يمكن أن تخبرنا به عن الطريقة التي بُنيت بها عناقيد المجرات الضخمة التي نراها اليوم.

هذا الاكتشاف لا يضيف مجرد حالة شاذة إلى سجل الرصد الفلكي، بل قد يمثل علامة على أن النماذج الكونية الحالية تحتاج إلى تعديل جوهري، سواء في توقيت تشكل العناقيد أو في الدور الذي تلعبه الثقوب السوداء والطاقة المبكرة في تشكيل بنية الكون.

شاركها.
Exit mobile version