شهدت إيران خلال الأيام القليلة الماضية تصاعدًا في الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في أواخر ديسمبر الماضي، احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وارتفاع التضخم، لتتحول إلى مواجهات مع قوات الأمن ومعها حملة اعتقالات تستهدف قادة هذه الاحتجاجات. وقد أدت هذه الاشتباكات، وفقًا لتقارير منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام، إلى وقوع ضحايا، مما زاد من حدة التوتر في البلاد. وتزامن ذلك مع قيود متزايدة على الوصول إلى الإنترنت، في محاولة من السلطات لاحتواء التظاهرات ومنع تنسيقها.
بداية الاحتجاجات وتصاعدها
بدأت الشرارة الأولى للاحتجاجات من أسواق طهران، حيث أضرب التجار احتجاجًا على الضغوط الاقتصادية المتزايدة. سرعان ما توسعت دائرة الاحتجاجات لتشمل مدنًا عديدة في جميع أنحاء إيران، وتحولت المطالب الاقتصادية إلى شعارات أكثر اتساعًا تطالب بإصلاحات سياسية واجتماعية.
وتشير التقارير إلى أن الاحتجاجات في إيران هي الأكبر منذ ثلاث سنوات، وتأتي في وقت تعاني فيه البلاد من ضعف اقتصادي حاد، وتدهور قيمة العملة الوطنية، بالإضافة إلى الضغوط الخارجية المتمثلة في العقوبات الدولية. وقد سجل التضخم في إيران معدلات مرتفعة تجاوزت 36% منذ بداية العام المالي الماضي، مع انخفاض حاد في قيمة الريال الإيراني أمام الدولار.
قيود على الإنترنت وحملة الاعتقالات
في محاولة لاحتواء الاحتجاجات وتقليل تأثيرها، فرضت السلطات الإيرانية قيودًا مشددة على الوصول إلى الإنترنت. وقد كشفت شركة “كلاودفلير” المتخصصة في تكنولوجيا المعلومات عن انخفاض في حركة البيانات بنسبة 35%، مع مخاوف متزايدة من احتمال انقطاع خدمة الإنترنت الدولية بشكل كامل.
وتُرجع مصادر هذه القيود إلى هدفين رئيسيين: أولاً، منع المتظاهرين من تنسيق تحركاتهم وتنظيم التجمعات عبر الإنترنت، وثانيًا، منع نشر التقارير والصور ومقاطع الفيديو المتعلقة بالاحتجاجات على وسائل التواصل الاجتماعي، وبالتالي الحد من انتشارها وتأثيرها.
وفي بيان رسمي، أعلن القائد العام لقوى الأمن الداخلي، العميد أحمد رضا رادان، عن بدء حملة “اعتقالات مُستهدفة” لقادة الاحتجاجات الذين وصفهم بـ”المحرضين” في الفضاء الإلكتروني وفي الشوارع. وأشار رادان إلى أن السلطات قد حددت هويات عدد من هؤلاء الأفراد واعتقلتهم، وأن بعضهم قد اعترف بتلقي تمويل من جهات خارجية مقابل دورهم في التحريض على الاضطرابات.
ردود الفعل الرسمية والمجتمعية
في حين وصفت وكالة الأنباء “فارس” الاحتجاجات بأنها “محدودة” وتقتصر على مجموعات صغيرة من الشباب، تشير تقارير أخرى إلى وقوع تظاهرات في مناطق مختلفة من البلاد، بما في ذلك العاصمة طهران والمناطق الغربية والجنوبية. ووفقًا لهذه التقارير، تشهد بعض المناطق، وخاصة غرب إيران، اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن.
وفي سياق متصل، خرج المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، بتصريحات وصف فيها الاحتجاجات بأنها “تجمعات مشروعة” للمواطنين الذين لديهم مطالب محقة، ولكنه في الوقت نفسه شدد على ضرورة مواجهة “مثيري الشغب” الذين يسعون إلى زعزعة استقرار البلاد. جاءت تصريحات خامنئي ردًا على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل لدعم المتظاهرين، معبرًا عن رفضه لأي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية لإيران.
الضحايا والاعتقالات
تضاربت التقارير حول عدد الضحايا والمعتقلين في الاحتجاجات. فقد ذكرت منظمة “هنجاو” الكردية لحقوق الإنسان مقتل 17 شخصًا على الأقل، بينما أشارت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان “هرانا” إلى مقتل 16 شخصًا واعتقال 582 آخرين. وقد أكدت وسائل الإعلام الرسمية والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان وقوع ضحايا واعتقالات، لكنها قدمت أرقامًا مختلفة.
مستقبل الأوضاع في إيران
مع استمرار حالة الغموض وعدم اليقين، يراقب العالم عن كثب التطورات في إيران. وتشير التحليلات إلى أن الاحتجاجات في إيران قد تتصاعد أو تهدأ اعتمادًا على عدة عوامل، بما في ذلك رد فعل السلطات على الاحتجاجات، وقدرتها على تحقيق بعض المطالب الاقتصادية والسياسية للمتظاهرين، وتأثير العقوبات الدولية على الأوضاع المعيشية.
ويبدو أن السلطات الإيرانية تسعى إلى اتباع نهج مزدوج في التعامل مع الأزمة، من خلال الاعتراف ببعض المشاكل الاقتصادية وعرض الحوار مع المتظاهرين، مع مواجهة مظاهر المعارضة الأكثر حدة بالعنف والقمع. يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا النهج سينجح في احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة شاملة. من المرجح أن تؤدي هذه الأحداث إلى مزيد من الضغوط الداخلية والخارجية على الحكومة الإيرانية، مما قد يؤثر على مستقبل البلاد على المدى الطويل.
الوضع الاقتصادي الصعب وارتفاع التضخم هما المحركان الأساسيان لهذه الاحتجاجات، ويتطلب معالجة هذه الأزمة اتخاذ إجراءات جذرية وشاملة لتحسين الأوضاع المعيشية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.


